ثقافة السيلفي

الخميس 2015/08/20

كان المصعد الزّجاجي يرتفع إلى الأعلى برفق وهدوء، وكانت دائرة الرؤية تزداد بسطا واتساعا. في تلك الأثناء، طلبتُ من ابنتي أن تنظر إلى الأضواء المتلألئة في الأسفل ثم ترفع عينيها وتجيلها في امتداد الأفق المتّسع، ثم تأخذ نفسا عميقا وتستمتع بنشوة المعراج. شرحتُ لها بأنها إن فعلت ذلك فقد تكتشف في نفسها شعورا جديدا، وقد تغمرها بهجة لم تألفها من قبل. لكنها بدل أن تنخرط في هذا التمرين الممتع أخرجت هاتفها المحمول ووجّهته نحو ذاتها وشرعت في التقاط صور لنفسها.

كانت تبتسم حينا، وتميل برأسها يمينا أو يسارا حينا، وتلعب بملامح وجهها أو تعبث بها أحيانا أخرى. في تلك الأثناء انتبهتُ إلى أن الآخرين كانوا يفعلون نفس الشيء. وكان هذا الأمر حجّتها عليّ. غرقتُ في لحظة تأمل: ما مغزى أن يضحي الإنسان بفرصة الاستمتاع بنشوة الحياة ويضيع الوقت، كل الوقت، في التقاط صور ميتة تخبر الآخرين عن تجربة بلا حياة، عن لحظة بلا ذات، عن مظهر بلا عمق، عن مغامرة لم يشعر فيها صاحبها بأي شيء؛ لأنه كان مشغولا بذاته، بملامح وجهه، بأسلوب ابتسامته، وبوضعية كاميرا الهاتف المحمول أثناء التقاط الصور التي باتت تسمى -ويا للغرابة- بالصور الذاتية، غير أن الذات فيها ذائبة وعنها غائبة؟

تذكرت بعض نجوم السينما العالمية الذين انتهى بهم المطاف في الأخير إلى الإصابة بالاكتئاب، أو انتهوا إلى الانتحار بعد أن غرقوا في حياة الصورة، وفقدوا القدرة على العيش في الحياة الواقعية. خشيت أن يصبح هذا الحال مآل الكثيرين.

يقترب المصعد من النهاية. هكذا يخبرنا المنبه. فما الذي اكتشفته ابنتي من تجربة المعراج؟ ما الذي اكتشفه الآخرون الذين كانوا معنا؟ شيء واحد مؤكد: في تلك التجربة لا أحد انتبه لأي شيء، لا أحد استمتع بأي شيء، لا أحد ابتهج بأي شيء. كان الكل مهجوساً بالتقاط صور ذاتية لملامح الوجه، لشارة اليدين، للابتسامة المعبرة أو البلهاء، صور بلا حياة، بل صور على حساب الحياة. إنه عصر السيلفي. موضة أم مرض؟ ثقافة أم تفاهة؟ لهو أم هراء؟

السيلفي، مصطلح انتشر في الشهور القليلة الماضية كالنار في الهشيم، ويدل على الصورة الذاتية التي يلتقطها الشخص لنفسه بشيء من العفوية، باستعمال أحد الهواتف الذكية، ولغاية نشرها في منتديات التواصل الاجتماعي، ومن ثم الاستمتاع بما يشبه الشهرة لبعض الوقت. تجربة تذكرنا بما قاله المفكر الأميركي ألفن توفلر في كتاب أصدره قبل نحو ثلاثة عقود، “حضارة الموجة الثالثة”، حين قال إن الثورة التكنولوجية الجارية ستمنح لكل شخص فرصة أن يصبح مشهورا لمدة ثلاث دقائق على الأقل. السيلفي رهان أيضا على المصادفة الخارقة. من قبيل ذلك، تلك السيدة الأميركية التي التقطت لنفسها سيلفي على الجسر، وبالصدفة كان خلفها شخص ينتحر برمي نفسه من أعلى الجسر، لكنها المصادفة التي منحت لتلك السيدة المغمورة فرصة الاستمتاع بالشهرة العالمية لعدة ساعات.

اليوم، نرى رواد فضاء يلتقطون سيلفي في الفضاء الخارجي على حساب التركيز الذهني المطلوب في بعض الأحيان؛ نرى حجاجا في بيت الله الحرام يلتقطون سيلفي أثناء شعيرة الطواف على حساب التركيز التعبدي المطلوب، وأمام استهجان علماء دين لا يقدرون على فعل أي شيء؛ نرى مرضى في المستشفيات يلتقطون سيلفي قد يشوش على التركيز المهني للطاقم الطبي في بعض الحالات؛ نرى جنودا مقاتلين أثناء العمليات ينشغلون بالتقاط صور السيلفي على حساب التركيز القتالي المطلوب في بعض الجبهات. هذا يعني أننا أمام موجة جارفة. غير أن الإكثار من الشيء يقتله. هذا ما قلته لابنتي.

في نهاية تلك “الرحلة” غير الموفقة بالطبع، وجهت لابنتي عتابا خفيفا، قلت لها: أرى أنك لم تستمتعي بالتجربة كما ينبغي فقد كنت مشغولة بالسيلفي. أجابتني بهدوء: حتى أنت لم تستمتع بالتجربة كما ينبغي فقد كنت مشغولا بما أفعله. هيه، والله معها الحق.

24