ثقافة الطائفية والفساد والغنيمة في العراق

الطبيعة الطائفية للنظام العراقي بعد الاحتلال الأميركي تعد البيئة المثلى لنمو وانتشار آفة الفساد داخل أجهزة السلطة وبالتالي المنظومة الاجتماعية ككل. فجميع المكونات السياسية في العراق الراضية والمشاركة في العملية السياسية الحالية ليست بمعزل عن معضلة تحول الدولة إلى غنيمة طائفية تتحكم فيها النزعات الدينية غير المدنية وغير المواطنية.
الأربعاء 2016/08/10
الرغبة الشعبية واضحة

تعتمد المنظمات الدولية جملة من المعايير لتقييم درجة الدولة على مقياس الفساد، من بينها موقف القادة السياسيين من الفساد، وكفاءة الدولة في القيام بواجباتها.

وليست مثل هذه المعايير في صالح النخبة الحاكمة في العراق، فالسياسيون داعمون للفساد عبر رعايتهم لنموذج المحاصصة الطائفية في تأسيس العملية السياسية وتقاسم السلطة بما جعل الفساد القاعدة وما عداه استثناء.

إن الفساد السياسي نتاج وعي طائفي يشرعن الفساد، فصارت التشريعات والسياسات تتحرك على هامش الفساد وتعيد إنتاجه، وباتت مبادرات الحكومة في مكافحة الفساد مجرد دعاية سياسية فجّة. ويُعرّف باحثون الفساد السياسي بأنه “فساد طبقة الساسة والحكام وقادة الأحزاب وأعضاء الحكومة (النخب الحاكمة) أيا كان موقعهم أو انتماءاتهم السياسية حين يقومون بالتواطؤ على استغلال النفوذ السياسي لتوجيه القرارات والسياسات والتشريعات، لتحقيق مصالح خاصة بهذه الطبقة، أو أحد أطرافها أو الموالين لها، والإثراء غير المشروع من السلطة، أو الحصول على أموال غير قانونية لزيادة النفوذ المالي والاجتماعي، أو لتمويل حملاتهم الانتخابية وغيرها من الممارسات التي تتجاوز الشفافية”.

الفساد والكراهية

أزمة الفساد في الحالة العراقية مضاعفة بحضور عامل الطائفية السياسية الذي تحرص القوى السياسية على رعايته واستدامته؛ إذ تسهّل الطائفية جرائم الفساد وتسبغ عليها الشرعية، في حين يموّل الفساد الكتل الطائفية ويمدها بأسباب البقاء والنفوذ الاجتماعي.

الجميع يعلم أن القضاء في العراق مؤسسة تابعة للحياة السياسية وأن ساحة التقاضي يعتبرها السياسيون ملاذا لهم

وحتى اللحظة، لا نستطيع من الناحية الجنائية أو القضائية إثبات أو نفي الاتهامات التي ساقها خالد العبيدي، وزير الدفاع، ضد سليم الجبوري، رئيس البرلمان، وبعض النواب والمستشارين بضلوعهم في الفساد، لكن هذا لا يمنع من القول إن الجبوري متورط ابتداءً في “الفساد السياسي” لكونه ينتمي إلى كتلة سياسية ذات طبيعة طائفية، والمحاصصة الطائفية هي البيئة الخصبة للفساد، وهذا ما يجعل اتهامات العبيدي للجبوري محل اعتبار واهتمام لدى الرأي العام لأن الجميع يعلم أن الفساد هو النتيجة الحتمية للتقاسم المكوناتي والمحاصصة الجهوية.

الفساد ليس السرقة فقط، إنه الكراهية أيضا. والفساد بمعنى السرقة مجرد نتيجة لمقدمة شيطانية هي الغطرسة الأيديولوجية والكراهية المذهبية والتعصب الطائفي. والفاسد في نظر المجتمع هو الذي يزدريه ويتعامل معه باستعلاء وسوء نية.

وحتى لو ثبتت براءة شخص الجبوري قضائيا من الفساد، فإن إفادة العبيدي وما تضمنته من أسماء وما تسببت فيه من صدمة مجتمعية تطرح أسئلة حول الدور الذي تلعبه أحزاب كبار المسؤولين وبطاناتهم وحاشياتهم، وتحالفاتهم ذات الطابع الطائفي والجهوي وشبكة العلاقات التي تربطهم برجال أعمال ومستثمرين في “اقتصاد الفساد” أو “اقتصاد الصراع” في العراق، في ظاهرة باتت تشي بأن الفساد هو الأصل والقاعدة، وأن الطابع “التجاري” للسياسة العراقية هو الحقيقة الوحيدة الأكثر ثبوتا من كل الشعارات الطائفية الزائفة والحقائق المُدّعاة.

بين الفساد والطائفية تحالف جهنمي من شأنه تحويل مؤسسات الدولة إلى عدو للمجتمع، فحين تحصل طائفة ما على رئاسة الحكومة وطائفة أخرى على رئاسة البرلمان فإن كلاً منهما ستستخدم ما في يدها من مقدرات ونفوذ لصالح أحزاب الطائفة، وسيتم استعمال الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مصالح الأحزاب.

فالطائفية تفتح باب الفساد، وكي يتمكن الفساد من المحافظة على نفسه يعضّد التحالفات ذات الطابع الطائفي والزبائنية الطائفية بحيث يضمن الولاء والأمان، فيقبل الزعيم السياسي بالفساد ليحافظ على تماسك الطائفة، ويقبل بالطائفية ليحافظ على تماسك شبكة الفساد.

الرجلان، العبيدي والجبوري، كلاهما جزء من منظومة الطائفية والفساد، فالجبوري مرشح الحزب الإسلامي أحد الآباء المؤسسين للمحاصصة الطائفية، والعبيدي مرشح حزب الأخوين أسامة وأثيل النجيفي اللذين أسهما مع نوري المالكي في تعميق الانقسام الوطني الذي قاد إلى إسقاط الموصل بيد داعش. الجبوري مُدان لأنه أحد رعاة الطائفية ومكرّسيها والعبيدي مُدان أيضاً فهو مرشح كتلة محاصصة وفساد، وهو جزء من منظومة فشل وفساد، واتهامه للجبوري لا يبرئه هو من شبهات الفساد.

المعركة الأخلاقية والمعنوية، في إطارها الشعبي والرمزي، حتى هذه اللحظة في صالح خالد العبيدي الذي يحظى بتأييد اجتماعي

وتبدو “لغة” المساومات التي أشار العبيدي إلى تعرضه لها داخل مكتب الجبوري، والأجواء التي نقلتنا إليها إفادته، غير غريبة عن مناخ العملية السياسية الطائفي الفاسد الذي تسود فيه ثقافة تقول إن “الوزارة حصة المكون” وبالتالي يحق لزعماء المكون المذهبي أو القومي أن يستخدموا كل الوسائل المتاحة بما في ذلك أشدها إيغالاً في الفساد لضمان أن تصب أموال الوزارة وإمكاناتها في صالح أحزابهم التي تفترض نظرية المحاصصة أنها تمثّل مصالح المكونات.

الفساد هنا لا يعود جريمة، بل مجرد وسيلة يمكن التغاضي عن عوارها الأخلاقي ما دامت تؤدي إلى “غاية” نبيلة وأخلاقية وسامية من وجهة نظر الساسة وهي تحقيق مصالح “مكون مظلوم” في مواجهة “مكونات ظالمة” أخرى. ومثل هذه الثقافة تجعل الفساد ظاهرة معقدة ومركبة ومستشرية، وأعمق من مجرد تورّط جنائي مباشر، خصوصا في بُعدها السياسي وفي سياق صراعي محتدم كالسياق العراقي.

كما أن رد الفعل الضعيف الذي أبداه رئيس البرلمان يثير الشكوك حول مدى سلامة موقفه. لقد ترك الجبوري منصة الرئاسة وقال إنه لن يعود إليها إلا بعد إثبات القضاء لبراءته من اتهامات العبيدي، لكن هذا قد لا يعني ثقةً منه بنظافة صفحته أو عدالة القضاء، بل قد يؤشر على ضعف موقفه الأخلاقي وعدم قدرته على المحاججة أو الدفاع عن نفسه لذلك فضّل اللجوء إلى القضاء الذي هو “لعبته”، فهو أستاذ قانون وبرلماني لسنوات، وسبق أن نجح في لملمة ملف اتهاماتٍ له بدعم الإرهاب كان قد رتّبه له خصومه، إذ تمكّن من تسويته في إطار ما وُصف بالصفقة السياسية التي أهّلته في ما بعد للصعود إلى رئاسة مجلس النواب.

ويعلم الجميع أن القضاء في العراق مؤسسة تابعة للحياة السياسية وليست مستقلة عنها، وأن ساحة التقاضي كثيراً ما يجدها السياسيون ملاذاً لهم في الأزمات السياسية في ظل ما تعاني منه المؤسسة القضائية من تسييس ونقص استقلالية واستلاب سلطوي، وأيضاً مع إمكانية تضليل العدالة أو توظيفها في القضايا ذات الطابع السياسي بسبب حداثة التجربة الديمقراطية العراقية أو ضبابية أو إشكالية القوانين.

فساد موضوعي

الخطوة الوحيدة التي من شأنها أن تعزز موقف الجبوري في مواجهة العبيدي هي الاستقالة ومباشرة الدفاع عن نفسه من خارج منصب رئيس البرلمان

وعلى الرغم من أن الرجلين، العبيدي والجبوري، ينتميان إلى منظومة المحاصصة والفساد ذاتها، فإن مواجهة الاستجواب البرلماني بينهما كانت فاصلة في تنصيب العبيدي بطلاً شعبياً للنزاهة والشرف والكرامة الوطنية، فيما بات الجبوري في نظر الجمهور رمزاً للفساد والطائفية والهشاشة والانقسام.

المعركة الأخلاقية والمعنوية، في إطارها الشعبي والرمزي، حتى هذه اللحظة في صالح خالد العبيدي الذي يحظى بتأييد اجتماعي يجعله يتمتع بميزة تنافسية معنوية مهمة في مواجهته مع سليم الجبوري. وهي مواجهة أخذت طابعاً سياسياً وعمقاً شعبياً وعنواناً أخلاقياً كمواجهة بين النزاهة والفساد، وبين الوطنية والطائفية، بغض النظر عن مدى مصداقية ادعاءات كل من الخصمين، أو الصراعات بين كتلتيهما، أو الحقائق في كواليس السياسة، أو الأدلة على طاولة القضاء.

إن الخطوة الوحيدة التي من شأنها أن تعزز موقف الجبوري في مواجهة العبيدي هي الاستقالة ومباشرة الدفاع عن نفسه من خارج منصب رئيس البرلمان. هذه الاستقالة قد تجعل الجمهور يغفر له جزئياً حتى لو ثبت تورطه في الفساد، أما تمسّكه بالمنصب ففيه مقتله السياسي حتى لو ثبتت براءته لأن الجمهور لا يثق في قرارات القضاء التي تخص السياسيين. فهل يستطيع الجبوري التصرّف بوطنية والانحياز للمجتمع عبر الاستقالة احتراماً للغضب الشعبي، وتحمّل المسؤولية كرجل دولة بلا شخصنة ولا تحزّب؟

على جماعة الجبوري من الإسلاميين تحمّل المسؤولية ومساءلته ومطالبته بمصارحة الرأي العام والانخراط في مكاشفة وطنية شاملة عوضاً عن محاولة دفع الاتهامات عنه.

مؤيدو الجبوري يتساءلون لماذا لم يتكلم العبيدي إلا بعد خضوعه للاستجواب؟ لكن مثل هذا الطرح لا يبرّئ الجبوري بل على العكس يضعه وأنصاره في خانة أخلاقية واحدة مع العبيدي، فالعبيدي لم يتكلم إلا دفاعاً عن نفسه وأنصار الجبوري يدافعون عن صاحبهم باتهام العبيدي بالتستّر والمشاركة في الفساد.

كاتب من العراق
6