ثقافة الطفل التوصيف والابتكار

الأحد 2016/09/18

على الرغم من أن ثقافة الطفل في العالم العربي ظلت على مدى عقود طويلة رهينة لتوجهات الأنظمة السياسية، بدعوى كسب الأجيال الجديدة وتربيتها على ـحبّ القائد الضرورة والولاء لمبادئ الثورةـ، إلّا أن الاشتغال حتَّى وفق هذا المنحى الإجباري بالنسبة إلى المشتغلين في عالم ثقافة الطفل، كانت محصلته تراكم الخبرات واكتساب الدربة والتخصص بالنسبة إلى الكثير من الكتّاب والرسامين والناشرين المعنيين بهذا القطّاع الواسع والمهم، تلك الخبرات سيتم الاستفادة منها لاحقاً في مشاريع ثقافية رصينة تتوجه للطفل، أقصد عندما يكف القادة الضرورة، أو يجبروا على الكف، عن ـ تثوير ـ كل ما يصادفهم، حتَّى لو كان هدفاً نبيلاً يتعلّق بتنمية الأجيال الجديدة وتثقيفها وتنمية وعيها وذائقتها وقدرتها على التخيّل والحلم.

الآن وبعد أن كفّ هؤلاء القادة فعلاً، أو أجبروا على الكفّ أو كادوا، عن ممارسة دورهم التخريبي في الحياة الثقافية العربية، جاء دور التجارب الاحترافية المستقلة الساعية لترصين ثقافة الطفل في العالم العربي على أسس علمية خالصة ومجرّدة من الدوافع والأهواء الملتبسة للأنظمة وتوجهاتها، ولا أقصد هنا الأنظمة السياسية القمعية وآلة إعلامها القميئة وحسب، بل حتّى تلك ذات النوازع والتوجهات الدينية المتزمتة التي من شأنها أن تسمم عقل وفكر الطفل في سنّ مبكرة جدّاً في الحقيقية.

إن الاشتغال في عالم ثقافة الطفل يتطلب، من ضمن ما يتطلبه، الكثير من الإخلاص والنزاهة والتخلص من النوازع والأهواء والأيديولوجيات والتوجه بطريقة خالصة نحو الهدف الأسمى والأنبل، إلا وهو تنمية المدارك العقلية وقوّة التخيّل لدى الطفل العربي وعدم فرض أفكار واعتقادات البالغين عليه وتركه يحدّد رؤاه وقناعاته بإرادة ذاتية مستقلّة عندما يبلغ سن النضج، بعد شحذ مدركاته وتنمية وعيه.

وهذا لا يشمل بالتأكيد العمل وفق المعايير الأخلاقية والتربوية المعروفة، ولا أجدني مضطراً هنا للتطرق إليها لأنها ببساطة من أوليات الاشتغال في عالم ثقافة الطفل، لكن ما عنيته هو التوجهات القسرية الخطيرة التي تتخذ من تلك الثقافة مطية لتوصيل بعض الأفكار والقناعات المنحرفة لمجاميع حكومية أو دينية ما. إن الانتصار لثقافة الطفل وتنزيهها من تلك الشوائب والموبقات هو أحوج ما نكون إليه الآن في الحقيقة، وكمثال على تلك النزاهة والاحترافية في مجال ثقافة الطفل أرغب بالتنويه هنا بتجربة دار “كلمات” الإماراتية التي أسستها الشيخة بدور القاسمي قبل مدّة قصيرة واستطاعت أن تحقق مكانة وحضوراً لافتين في عالم الكتاب المتخصص والمتوجه للأطفال من جميع المراحل العمرية، فقد نجحت هذه التجربة في استقطاب العديد من الكتّاب والاختصاصيين والفنانين المتخصصين برسومات الأطفال، إضافة إلى خبراء الرأي المعروفين ضمن هذا التوجه، لتشكّل بديلاً ممتازاً لتلك المحاولات الشوهاء التي باتت تسمم حياتنا الثقافية للأسف.

لقد أصبحت تلك الدار واحدة من أبرز المؤسسات الثقافية المعنية بثقافة الطفل تحديداً وفق معايير عالمية رفيعة بعد أن أصدرت على مدى عمرها الذي لا يتجاوز الثلاث سنوات أكثر من خمسين كتاباً مختلفاً لكافة الفئات العمرية، ناهيك عن تميّزها برسوماتها وتصاميمها الخلاقة، طبعاً إضافة إلى المضامين الهادفة والمبتكرة، ولعل واحداً من أبرز إنجازات تلك الدار هو توقيعها لعقد تعاون وترجمة وترويج مع دار بلومزبيري الإنكليزية الشهيرة على صعيد كتب الأطفال للاستفادة من تجربتها الكبيرة وإمكانية ترجمة كتب الأطفال العربية إلى اللغات الأخرى وبالعكس.

كاتب من العراق

13