ثقافة القمع الأبوي: الانشطار والتجدد في ظلال العولمة

بصدور عددها الثامن عشر، في الأول من يوليو الحالي، تفتتح مجلة “الجديد” الثقافية، النصف الثاني من سنتها الثانية، مودعة عاما ونصف العام، حفلت فيها بنصوص إبداعية وكتابات فكرية وملفات أثارت جدلا ونقاشا في الحياة الثقافية العربية تتطلع إلى تطويرها وتعميقها.
الثلاثاء 2016/07/12
"الجديد" تواصل مغامرتها الجريئة احتفاء بالكتابة العربية الجديدة

حملت افتتاحية المجلة عنوانا لافتاً “القصيدة كائن يتيم والديوان ملجأ للأيتام: حول الكتابة الشعرية والمجموع الشعري والمحرر الأدبي”، طرح فيها الشاعر نوري الجراح تساؤلات مهمة عما وراء الجنوح الغريب إلى نفي الصنعة الشعرية العربية، كما يتجلى في خطابات الشعراء أنفسهم. من هذه التساؤلات: أهو تقديس الشعر إلى حد تنزيهه عن فكرة الصنع البشري، واعتبار القصيدة إلهاما عُلْويّا يتنزل على الشاعر حتى ليبدو هو نفسه وليد القصيدة، أم هو إفصاح عن خوف من خالق أكبر وأعلى قدرة هو خالق المؤنثين: السماء والأرض، ولا قبل للشاعر بمنافسته؟

وأضاف الجراح إلى ذلك تساؤلاته ورؤاه حول آلية وضع قصائد الشاعر في ديوان شعري، مؤكدا ضرورة أن يميز القارئ بين قصيدة وأخرى في الديوان نفسه، مادامت كل قصيدة قد صدرت عن خبرة اختلفت شيئا ما عن غيرها، فنيا، شعوريا، قصصيا، جماليا… إلخ.

ومن خلال تجربته الشخصية كمحرر للأدب في غير مطبوعة أدبية على مدار عقود ثلاثة، كشف الجراح أنه حرر شعر بعض الشعراء والشاعرات العرب، مدفوعا برغبات عديدة، لكنه يلوم نفسه اليوم على ذلك، مشيرا إلى أن المحرر قد ينفع مع كل ألوان الكتابة إلا الشعر.

تصارع السلطات الأبوية

نطالع في هذا العدد قصصا وفصولا روائية وقصائد ومقالات وقراءات نقدية وعروض كتب وملفين: فكري بعنوان “ثقافة المجتمع الأبوي”، وأدبي بعنوان “مسرح عربي”.

وقد احتوى الملف الأول على مقالات لـلكتّاب: فتحي التريكي “الإنسانية بين الانشطار والتجدد”، وعبدالرحمن بسيسو “الفكر التوفيقي والخيار الثالث”، وإبراهيم الحيدري “الهيمنة الأبوية الذكورية في المجتمع والسلطة”، وأحمد برقاوي “تجديد الدفاع عن شريعة الغاب”، وحسونة المصباحي “الثقافة الرسمية والثقافة المضادة”.

سلّط هؤلاء الكتّاب الضوء على المآل الذي وصل إليه المثقف العربي، وسط بحر من السلطات، لم تترك له حرية النقد والتأمل وبحث ما يدور حوله، بعد أن بدأت جميع السلطات الأبوية بالتصارع على النفوذ. وقد نتج عن هذا كله عنف العولمة الذي ناقشه مقال فتحي التريكي، إلى جوار تناول الهيمنة الذكورية والمجتمع الذكوري في طرح إبراهيم الحيدري، الذي اعتبر أن مفصل هيمنة الذكور خلق ضحايا أبعد وأوسع من نطاق الإناث، ليصبح المحرك الأساسي لكل قمع وسلطة، كما في العصبية القبلية والاضطهاد وفق النوع والجنس والجذور.

أحمد برقاوي دعا في مقاله إلى عكس الساعة الحضارية، ونادى بشريعة الغاب مخرجا من الوضع الذي أوصلت إليه السلطات مختلفة، دينية واستبدادية، العالم العربي اليوم، لأن شريعة الغاب تحرّم على أيّ كائن تدمير الغابة التي يعيش فيها الجميع.

الفكر التوفيقي الذي ظهر وهيمن بسبب الهرب من مواجهة القمع الأبوي والاستبداد وأشكال السلطة، كان برأي عبدالرحمن بسيسو العامل الأساسي لتدهور المجتمعات العربية. وقد نشأ هذا من اجتماع الفكر الخفيف الاستهلاكي مع الفكر القديم المتحجّر، فتم خلق سلطة هجينة لا تعرف حدوداً للعنف.

أما حسونة المصباحي فقد حلل تحالف سلطتين معا وانقلابهما على بعضهما البعض، السلطة الرسمية والسلطة المضادة في تجربة تونس قبل وبعد انهيار نظام زين العابدين بن علي. واستعرض في مقاله المسار الثقافي الطويل والمتعرج في التاريخ التونسي الحديث، لا سيما في القرن العشرين وصولا إلى اللحظة التونسية الحاضرة، وما تخللها من يقظة متجددة لسؤال الحرية في الثقافة والاجتماع، لكن ليس بعيدا عن دواعي النكوص والمنادين به من تيارات إسلاموية تحاول أن تهيمن على المجتمع التونسي.

نقاش حول المسرح

لينين الرملي: ثمة ضعفا في التأليف المسرحي في مصر

أما الملف الأدبي “مسرح عربي- مقالات وتجارب وشهادات”، فقد تضمن حوارين: الأول مع الكاتب المسرحي المصري لينين الرملي، أجرته الكاتبة حنان عقيل، والثاني مع المخرجة والكاتبة والممثلة السورية المقيمة في كندا ندى حمصي، أجراه الروائي عبدالله مكسور. كما احتوى الملف على دراسات وشهادات حول المسرح العربي المعاصر وظواهره وتجاربه الطليعية مشرقا ومغربا، إضافة إلى إطلالة على التجارب المبكرة. وضم العدد أيضا دراسات حول المسرح إضافة على شهادات قدمها ثمانية مسرحيين من تونس والمغرب (مخرجون ونقّاد وكتّاب).

وفي حواره أجاب لينين الرملي على الأسئلة التي طرحتها عليه محاورته حول المسرح بأن ثمة ضعفا في التأليف المسرحي في مصر، وهو جزء من منظومة شاملة يعاني فيها المسرح المصري من التدهور جراء إهمال الدولة للمسرحيين وعدم الاهتمام بالنصوص الجيدة لكبار الكتاب. ويرى الرملي أن المسرح الشعري من أصعب أنواع المسرح لأنه يعتمد على كتابة درامية مسرحية كاملة بالشعر. واستنتج من خلال ما تابعه وقرأه عن الأعمال المسرحية التي كُتبت وقُدمت عن الثورة في مصر خلال السنوات الخمس الماضية، أنها اتّسمت بالسطحية والرداءة بشكل كبير على المستوى الفني.

ويتشعب الحوار مع ندى حمصي ليشمل تجربتها الغنية، التي تمتد لأكثر من ثلاثين عاما، في مجالات مسرحية عديدة، كالتمثيل والتأليف والإخراج، والمسرح الإيمائي، والمونودراما، ورؤيتها لقضايا المسرح وهمومه من قبيل ما يعرف بـ “الأزمة” وتفرعاتها، والجمهور، وتأثر المسرح العربي بالمسرح العالمي، والتكامل بين المدارس المسرحية، وصراع الهوية المزدوجة للمسرح العربي في المَهاجر المختلفة اليوم، وصولا إلى ما يحدث في بلدها سوريا، وأثر ذلك في خلخلة البنية الثقافية في المجتمع السوري.

الإبداع والكتابة

كعادتها قدمت المجلة لقرائها في هذا العدد مجموعة من النصوص الشعرية لـ: الشاعر التونسي محمد ميلاد بعنوان “لحظات هاربة”، وهو عنوان جامع لست قصائد، والشاعر العراقي خالد مطلق “دع الصبية تعبث بحياتك”، وهو أيضا عنوان جامع لست قصائد، إضافة إلى الشاعر السعودي إبراهيم زولي “حتى تنتهي اللعبَة”، والشاعر المغربي عبدالله المتقي “قصيدة بوح رشيق”، وهي قصيدة طويلة نسبيا تتألف من أحد عشر مقطعا.

ندى الحمصي تحدثت عن تجربتها تجربتها الغنية في مجالات مسرحية عديدة
وفي هذا الباب أيضا ثمة مجموعة قصائد بعنوان “نهوض” لشاعر سوري غير معروف اسمه هلال الحاج بدر، قدّم لها مواطنه الشاعر منذر مصري بكلمة مؤثرة حملت عنوان “هلال الحاج بدر.. أين أنت؟”، استذكر فيها الأشهر الستة التي استغرقتها صداقتهما خلال خدمتهما العسكرية في الجبهة قبل بضعة عقود، الأول رقيب متطوّع تسرّح في ما بعد لأسباب صحية، والثاني ملازم احتياط تسرّح أيضاً بعد انتهاء مدة خدمته.

كما ضمّ العدد نصوصا سردية لـ: القاص العراقي نهار حسب الله قصة “لعبة الدمى البشرية”، وفصلا من رواية واد علي “أشباح أبو غريب”، والقاص السعودي أحمد الملك قصة “العشاق لا يسرقون”، والروائي السوري عبدالله مكسور فصل من رواية “ملوحة البحر ورائحة الغارقين”، والقاص المغربي حسن شوتام قصة “فراشة في بيتي”، كذلك ضم العدد قصتين: “لاعب الريشة”، “وهو يترنّم” للقاص السوري ثائر الزعزوع، إضافة إلى فصل من رواية “بنات لالش” للروائي العراقي وارد بدر السالم، وهي الجزء الثاني من روايته المنشورة “عذراء سنجار”.

في باب مقالات نشرت المجلة مقالا بعنوان “السيرة الذاتية والرواية: تماثل السرد وتباين القراءة” للروائي والقاص والمترجم الأردني إلياس فركوح، و”الكتابة والتدوين: محاولة في فك الاشتباك” للشاعر والرحالة العراقي باسم فرات، وغيرهما.

وينطلق فركوح في تناوله للعلاقة بين السيرة الذاتية والرواية من دراسة الناقد الفرنسي جورج ماي لنقاط اللقاء والافتراق بين السيرة الذاتية والرواية. ويتطرق إلى عدد من نقاط الالتباس التي شابت العلاقة بين هاتين الكتابتين، وجعلت منهما لدى البعض وجهين لهُوية واحدة، مؤكدا أن القول بـ”أدبيّة” السيرة الذاتيّة إفتاء بعزل نصوصها عمّا يماثلها ويشتبك معها من كتابات هي أقرب إليها، ويعني بها المذكّرات واليوميات، وإدخالها إلى الأدب من باب الرواية، أو الاحتفاظ بها على تخوم الأدب دون تعيين سوى أنها سيرة ذاتية، لمجرّد أنها تعتمد السرد وملاحقة الأحداث والدخول في تفاصيل مظاهر الحياة اليومية، العامة والشخصية الخاصة مستعينة بالذاكرة أيضا، أو لأنّ الكثير من نصوصها كتبه أدباء.

يفرّق باسم فرات بين اللغات الشفاهية والكتابية والتدوينية، ذاهبا إلى أن الأولى معروفة بأنها تلك اللغات التي لم تتم الكتابة بها في الماضي، وبعضها اندثرت ولم يعثر على نقش أو لفافة أو بردية تخبرنا عنها. ويرى فرات أن أغلب هذه اللغات بدأت تتبلور رويدا رويدا وتتحول إلى كتابية ثم إلى تدوينية، وهو ما حدث بفضل العرب حين انتصروا بدينهم الجديد، لتتحول الأمم من شفاهية أو كتابية إلى تدوينية، مثل اللغات الفارسية والتركية والكثير غيرها.

كما ضم العدد الأخير من المجلة في باب “أصوات” مقالين للكاتب المسرحي السوري أحمد إسماعيل والروائي المصري مختار سعد شحاته. وفي باب “كُتب” قدّم الناقد العراقي علي حسن الفواز قراءة نقدية في رواية “عذراء سنجار” لوارد بدر السالم. وبدوره قدّم كمال البستاني في “المختصر” عرضا مكثفا لمجموعة من الكتب لمؤلفين أوروبيين منها كتاب “ماذا تريد المرأة” لعالم التحليل النفسي البلجيكي سيرج أندريه، و”العلاقات الدولية والقضايا العالمية” لفيليب مورو دوفارج، وغيرهما.

فتحي التريكي ناقش عنف العولمة

الهويات المنغلقة

أبوبكر العيادي خصص رسالة باريس في هذا العدد لموضوع “الهويات المنغلقة”، مؤكدا أن التمييز بين اليسار واليمين صار من الصعب اليوم، مع تأزم الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فرنسا، وتضارب المواقف حيال تلك الأزمات دون اعتبار للانتماءات الأيديولوجية، حيث بدأ بعض المنظرين يتحدثون عن “الفكر الواحد” في مواجهة “الرجعيين”، أو “النُّخب” ضد “الشعبوية”، وغدا إرث الأنوار وتأويلاته محلّ رهان، بين طرفين يزعم كلاهما تمثيله، على غرار ما شهدته فرنسا طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حين انقسم المجتمع إلى متنورين معتدلين ومتنورين راديكاليين، واحتدم الصراع بين ثوريين ودعاة الثورة المضادة، وبين عقلانيين وروحانيين.

في الصفحة الأخيرة كتب مؤسس المجلة وناشرها الكاتب هيثم الزبيدي مقالا مهما بعنوان “مثقف اللحظة الراهنة، مثقف الغرائز” ، فضح فيه تماهي وعي المثقف وسلوكه في عالمنا العربي مع وعي الناس البسطاء وسلوكهم، الذين يمكن تفهم اختلافهم وتقاتلهم وانقيادهم الأعمى إلى النزعات الطائفية والمناطقية والعرقية التي تحركهم وتتسلل بسهولة إلى عقولهم.

وفي الوقت الذي يرى فيه الزبيدي أن التنافس شيء طبيعي ولا ينبغي أن يتجاوزه المثقف، أسوة بالجميع، وأن من المألوف أن يتبادل المثقفون سهام الانتقاد والنقد، حيث أن هذا في صميم دورهم، يجد أن ما هو غير طبيعي أن يتحول التنافس إلى بغضاء، وأن يتحول النقد إلى شطب للآخر! ويتقرّب المثقف إلى السياسيين طمعا في مال وجاه وسلطة.

وتساءل الزبيدي: هل في هذا تحامل على المثقف العربي؟ وأجاب بـمرارة “نعم” لأنه خدعنا، باعنا الكثير من الأفكار، وصدقناه ومشينا خلفه لنراه الآن مرتدا عنصريا يستخدم تركة الثقافة لتبرير انعدام الثقافة. إن المثقف الذي يتحدث بلغة العنف والدم يكون قد أنهى دوره الثقافي وصار أيّ شيء إلاّ أن يكون مثقفا.

15