ثقافة المحرر الأدبي

الأحد 2017/09/24

تحفل الكثير من الكتب الصادرة بالعربية، وبعضها من دور نشر مرموقة، بالكثير من الأغلاط النحوية والإملائية والأخطاء الأسلوبية التي بالإمكان تلافيها في حال اعتماد المراجعة واللجوء إلى ما يسمى في الغرب بـ”المحرر الأدبي” الذي تعتمده أغلب دور النشر، إن لم يكن جميعها.

وفي الواقع فإن عملية تحرير النص، سواء كان إبداعياً أو مؤلفاً عادياً، أسلوب حضاري يحترم عقل القارئ قبل عقل المؤلف أو الناشر. ويعود الخلل في تلك العملية إلى جملة من العوامل المختلة بدورها، يأتي على رأسها اعتقاد المؤلف العربي بأن عملية تحرير نصّه تعدّ نوعاً من الإساءة والتدخل غير المشروع بإبداعه، الذي ينبغي أن يتمتّع بالقدسية، وهو اعتقاد خاطئ في أبسط توصيف، حتى لا أقول أخطل ومنحرفا، ذلك لأن المؤلف، لا سيما السردي هنا، لا يمكن أن يكون ملمّاً بكافة الجوانب الفنية والأسلوبية التي تفوته في الغالب تحت ضغط الكتابة المباشرة والسعي المحموم والمتسارع من أجل الإمساك بالفكرة، ناهيك عن أنّ المحرر الأدبي –الحرّيف- أقرب لذائقة القارئ ووعيه من المؤلف، وأكثر دراية بمدى تماسك النص وخلوّه من الأخطاء الأسلوبية وتباعد الفقرات وكثرة الجمل الدائرية أو الوسيطة والطويلة.

ومن الأسباب الأخرى التي تحول دون اعتماد المحرر الأدبي عدم وعي الناشر وقصور ثقافته أو بخله في بعض الأحيان، نتيجة لسعيه من أجل توفير المبلغ الذي يمكن أن يدفعه للمحرر الأدبي، واعتماده على قدرة المؤلف في الكتابة وحرصه المفترض على خلوّ نصّه من الأخطاء والأغلاط، وهو افتراض لا صلة له بالواقع في الحقيقة لأن أغلب المؤلفين تفوتهم الكثير من الأغلاط والهنات الأسلوبية حتى بعد مراجعة النص لمرة أو اثنتين أو ثلاث.

إنّ مراجعة النص وإعادة تحريره في بعض الأحيان عملية حضارية مهمة وضرورية في جميع الأحوال، ولا تقتصر على دور النشر وحسب، بل تتعداها إلى الصحف والمجلات أيضاً، إذ غالباً ما تعتمد المؤسسات الصحافية المرموقة والتي تحترم طابعها الأسلوبي ولغتها وتوجهاتها القواعد التي حددتها مسبقاً لعملها، لتحرير النص وتغيير العنونة واختيار عناوين فرعية مناسبة، قد لا يستطيع الكاتب نفسه اختيارها.

بل إن بعض الصحف والمجلات تعتمد محررا متخصصا فقط في إعادة صياغة العنونة بما تراه مناسباً لجذب انتباه القارئ وإجباره على قراءة المقالة، كما أنّ اغلب الكتّاب المرموقين يحترمون تلك الخاصّية لدى الصحف والمجلات التي ينشرون فيها، حتى أنّ كاتباً كبيراً بحجم غابرييل غارسيا ماركيز اشتكى مما يفعله المحرر بمقالاته وتحقيقاته الصحافية عندما كان مراسلاً وكاتباً للتحقيقات في إحدى الصحف الإسبانية، كما أنّه كان يودع نصوصه الإبداعية ومخطوطات رواياته العظيمة لدى ناشره وهو مطمئن لما سيقوم به محرر الدار الأدبي من إعادة صياغات وربط جمل هنا وهناك، “طالما أعجبتني تغييراته، ذلك المحرر المغمور الذي يعمل بصمت بعيداً عن الأضواء، كما لو كان يجلو نصوصي ويجعلها مضيئة”.

أتذكر رأي ماركيز هذا وبذهني بعض الكتّاب العرب الذين يشترطون سلفاً على الناشر والمحرر الأدبي عدم تغيير العنوان أو الاختصار، كما لو كانت نصوصهم نصوصاً سماوية مقدّسة لا ينبغي المساس بها متناسين أن الأسلوب وقصر الجمل والعنوان الصادم أو المستفز لمخيلة القارئ، هي شروط مهنية يتطلبها العمل الصحافي الناجح، ناهيك عن ضرورة مناسبة العنوان وطول المقالة لاشتراطات فنية أخرى تتعلق بالتصميم والمساحة المتاحة للمصمم من أجل تركيب العنوان حسب الحروف -الفونتات- التي تستخدمها المطبوعة المعينة.

إن غياب تلك التفصيلات أو سمّها الثقافة عن وعي الكاتب العربي وعدم إيمانه بها بسبب الغرور أو التعالي أو الفوقية لهو الخطوة الأولى في اختلال عملية النشر عندنا في العالم العربي سواء على صعيد الكتب أو على صعيد النشر في الصحف والمجلات.

كاتب من العراق

11