ثقافة المساءلة الإعلامية ترسخ أسس المواطنة

المساءلة القانونية لتقييم أداء القطاع ما زالت غامضة، والمواطنون لهم الحق في إبداء آرائهم في المضامين المعروضة عليهم.
السبت 2018/12/15
الصحافيون مطالبون بتقديم ما يرضي المتلقي

دعوة عبدالعزيز العروي الجمهور إلى هجر ما لا يعجبه في الإذاعة أو في التلفزيون غير دقيقة وأشبه بدعوة إلى التفريط في أحد حقوقه طالما أن مجال البث الإذاعي والتلفزيوني فضاء عام للجميع، ويخضع للقواعد التي تحددها المهنة الصحافية.

“بيناتنا فلسة” (بيننا زر) عبارة رد بها الحكّاء الذائع الصيت عبدالعزيز العروي ذات مساء على مستمع انتقد جرأته في إحدى مسامراته في الإذاعة التونسية فَجَرَتْ مجرى المثل يستخدمها التونسيون للقول: إن لم يُعجبك برنامج إذاعي أو تلفزيوني فاهجره بالنقر على زر الجهاز.

كان عبدالعزيز العروي، الذي اشتغل في الإذاعة من 1938 إلى نهاية الستينات، يعرّف بذلك الكلام الفضاء العام كما يراه هو مجالا يقول فيه ما يريد، ومن شاء فليأخذ بالقول ومن أبى فليتركه. وإن كان من الطبيعي ألاّ تثير نظرة العروي إلى الأمر استغرابا وقتئذ فإنه من غير المقبول استخدام تلك العبارة اليوم لوصف العلاقة القائمة بين المتلقين والميديا.

فدعوة الناس إلى هجر ما لا يعجبهم في الإذاعة أو في التلفزيون هي دعوة إلى التفريط في ما يملكون لمن لا يملكون طالما أن مجال البث الإذاعي والتلفزيوني ملك للمجموعة. فلا يستقيم إذن أن تتصرف الإذاعات والتلفزيونات في فضاء يملكه الناس بشروط لا يضعونها هم. إن المنطق يقتضي منها الالتزام بالقواعد المتعارف عليها أو تلك التي يضبطها القانون أو تحددها المهنة الصحافية.

ويعود استبطان عدد من التونسيين مقولة العروي إلى غياب ثقافة المساءلة في مجتمع ما زال في طور التدرب على ممارسة الديمقراطية. لقد حان الوقت ليدرك الجميع أنّ الصحافيين، والمؤسسات الإعلامية معهم، مسؤولون أمام المواطنين، بالمعنى السياسي للكلمة، مباشرة أو عبر الهياكل المخولة لذلك.

وإن كان مجلس الصحافة، الذي سينطلق في العمل قريبا، قد أرسى لجنة لقبول شكاوى المتلقين في تجاوزات الميديا على اختلافها فإن تلك اللجنة لن تستطيع لأسباب منطقية أن تنصت إلى الناس في ما يعيبونه على التلفزيونات والإذاعات أو في ما يريدونه منها فضلا عن الوضع القانوني الغامض لمؤسستي الإذاعة والتلفزيون.

 فمساءلة المرفق العام أمر مختلف عن مساءلة القطاع الخاص. ويخضع القطاع الخاص إلى كراسات شروط مسؤولة عنها الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا) من الناحية القانونية وسيصبح من صلاحيات مجلس الصحافة مساءلته بناء على أخلاقيات المهنة. وكذلك شأن المرفق العام في المساءلة القائمة على الأخلاقيات، غير أن الأمر غامض غموضا شديدا في شأن المساءلة القانونية لتقييم أداء ذلك القطاع.

مؤسسات قياس نسب الاستماع والمشاهدة لا تعنى بدور المتلقين في مراقبة الميديا بل تخاطب فيهم روح المستهلك

فما المطلوب من الإذاعة والتلفزيون؟ وما هي مهامهما؟ ومن يقيّم ذلك؟ هناك من يرى أن تقييم المؤسستين يكون في ضوء النصين القانونيين اللذين أحدثا هاتين المؤسستين وهما القرار 1867 للإذاعة والقرار 1868 للتلفزيون الصادران في يونيو 2007. والمشكلة أن الأمرين يتناقضان مع ممارسة اليوم وواقع البلاد المختلف عما كان عليه قبل 2011.

ويكفي أن نذكر مثالين على ذلك، الأول أن رئيس الجمهورية يعين الرئيس المدير العام في التلفزيون وفي الإذاعة في حين أن المرسوم 116 لعام 2011 يجعل ذلك من مشمولات رئاسة الحكومة والهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري بالتوافق بينهما. والثاني -وهو أكثر تعقيدا من ذلك وأشد خطرا على العلاقة بين المرفق العام والمواطنين- مسألة مهام المؤسستين.

وينص الفصل الثالث من الأمر 1868 الذي جاء قبل 2011 على أنه من مهام الإذاعة وكذلك التلفزيون “التعريف بالسياسة العامة للدولة” وهو أمر يتناقض مع أداء المرفق العام في مجتمع ديمقراطي. فالمرفق العام لا يخدم الدولة بل يخدم المجتمع. والتعريف بسياسة الدولة أمر مناقض تماما للمقوم الأساسي للمرفق العام وهو استقلاله عن الحكم.

فهل يمكن مساءلة التلفزيون التونسي في ضوء ذلك؟ هل يمكن أن يكون مستقلا وهو في خدمة الدولة؟ ثمّ من يسائل التلفزيون التونسي؟ لقد جاء المرسوم 116 منظما لقطاع الاتصال السمعي البصري دون تخصيص وتحدث بشكل أدق عن  دور الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري في المراقبة وإنفاذ القوانين ومحاسبة المخالفين، وعن إعداد تقرير سنوي عن التعدد السياسي في شأن القنوات التلفزيونية والإذاعية كلها.

ويعني ذلك ألاّ أحد يعلم الأهداف المطلوبة من التلفزيون التونسي ومن الإذاعة التونسية. ولا يمكن أبدا المحاجّة بالقول إن في المرسوم 116 مبادئ عامة من قبيل “دعم حقوق العموم في الإعلام والمعرفة من خلال ضمان التعددية والتنوع في البرامج المتعلقة بالشأن العام” أو ما شابه ذلك لأن الكلام يعني هنا التلفزيونات والإذاعات جميعا. ومن باب المنطق والعقل السليم ألاّ نجعل للتلفزيونات جميعها وللإذاعات جميعها، العامة منها والخاصة، الأهداف نفسها والمبادئ نفسها.

وفي انتظار تنقية الملف القانوني الذي يؤدي إلى المساءلة عن طريق البرلمان، أو أي هيئة منتخبة أخرى، بإحداث كراس شروط خاصة بالمرفق العام تضبط أهدافه خدمة للمجتمع، تبقى المساءلة متاحة في جانب منها مع انطلاق مجلس الصحافة. وستكون تلك المساءلة التي ستضمن حقوق المواطنين عبر لجنة الشكاوى. وتنظر اللجنة في التجاوزات التي تلحقهم وتقرر الرد المناسب بصفتها محكمة شرف تنصفهم بإجبار المؤسسة المذنبة أو الصحافي المذنب على جبر الضرر بنشر اعتذار عادة.

وتلك المساءلة غير كافية وإن كانت مهمة ومجدية. فالشكاوى تأتي نتيجة خطأ أساء إلى  فرد أو جماعة أو فئة، غير أن للمساءلة أبعادا أخرى تتمثل في حق المواطنين في إبداء الرأي في ما يرونه بعيدا عن المصلحة العامة أو في ما يرونه ناقصا في مضامين المرفق العام خاصة كأن يكون مسيئا للأطفال مثلا دون أن يحمل بالضرورة تجاوزات.

ومن حق المواطنين أن يبدوا آراءهم في المضامين المعروضة عليهم، لا بالتفصيل في الشبكة البرمجية، إنما في شأن خطوطها العريضة. ويرى بعضهم أن عمليات قياس نسب الاستماع والمشاهدة كفيلة بإبلاغ الإذاعات والتلفزيونات برغبات المتلقين فيأخذونها بعين الاعتبار. إن مثل تلك الاستطلاعات لا تفي بالحاجة لأنها ليست أداة للمساءلة بل لأغراض لا صلة لها بالمتلقي المواطن لأسباب ثلاثة.

أولها أن هناك فرقا عميقا بين متلقّ يبادر بإبلاغ مجلس الصحافة أو لجنة الشكاوى بما يراه مهما وغائبا في التلفزيونات أو الإذاعات، وتافها مقيما فيها، وبين مستجوَب تخاطبه مؤسسة استطلاعات رأي أو قياس تسأله عن أمر لا يشغله. وذلك هو جوهر المساءلة في أن يبادر المتلقون متى بدا لهم الأمر مهما لا أن ينتظروا مؤسسات استطلاع الرأي.

من حق المواطنين أن يبدوا آراءهم في المضامين المعروضة عليهم، لا بالتفصيل في الشبكة البرمجية، إنما في شأن خطوطها العريضة

فالمبادرة إلى المساءلة عنوان مشاركة فعالة في الحياة العامة. وثانيها أن مؤسسات قياس نسب الاستماع والمشاهدة لا تخاطب متلقين ولا تُعنى بدورهم المواطني في مراقبة الميديا بل تخاطب فيهم المستهلك الذي تبيعه إلى القنوات التلفزيونية ليكون مجرد رقم في تعديل الشبكة البرمجية بالتقديم والتأخير والزيادة والحذف لتجذب بدورها معلني الكوكاكولا أو المثلجات أو لوازم المطبخ أو العطور…

أمّا آخرها، وإن كان لا يعني تونس حاليا وهو يعني المغرب مثلا، فهو أن المعدات الإلكترونية المركبة في أجهزة التلفزيون لاحتساب الوقت المقضى في مشاهدة القنوات معدات “حمقاء” على دقتها. هي تطبيقات إلكترونية تسجل أن عمرو قضى نصف ساعة يشاهد قناة فوكس نيوز مثلا والحال أنه مستلق يلهو بهاتفه الذكي أو قد يكون غادر البيت ليعود إليه بعد ربع ساعة أو أخذه النعاس فغاب.

إن تلك الأسباب الثلاثة لا تهيء للمتلقي ظروف مساءلة الصحافيين والمؤسسات الإعلامية لأن هدفها ربحي ولأنها لا تقحم الصحافيين في العملية مثلما يكون الأمر عندما يبادر المتلقي بمخاطبة الصحافي أو بمخاطبة مجلس الصحافة ثمّ إن المجلس غير معني مباشرة بما تنجزه مؤسسات استطلاع الرأي أو القياس وإن كان يستأنس بها.

ويبقى للمتلقين مستوى آخر لمساءلة الميديا معمول به في كندا وفي إسبانيا بالخصوص وهو الجمعيات والمنظمات المعنية بحق المتلقين في ما يبث إعلاميا. وتتولى تلك الجمعيات غير الربحية جمع آراء المنضوين تحتها ومعالجتها وتبويبها ثم إيصالها إلى مجلس الصحافة أو إيصالها مباشرة إلى المؤسسات الإعلامية المعنية وهي جمعيات ومنظمات كبرى يتفرع بعضها إلى نحو سبعين فرعا في إسبانيا.

وتبقى التجربة الإسبانية فريدة فقد نص دستور البلاد في الفصل 53 على أن الدولة مطالبة بدعم تلك الجمعيات والمنظمات لتبلغ صوت المتلقين وهو نمط من المساءلة ضمنه الدستور وصدر قانون في يوليو 1984 ليترجم الدستور إلى أفعال. إن “جمعية مستخدمي الاتصال” التي سبقت القانون بعام هي أكبر الجمعيات في إسبانيا على الإطلاق.

وتمثل تلك الجمعيات حسب عدد المنخرطين فيها المجتمع المدني في مجلس الصحافة وقد تشاركها في ذلك الدور جمعيات أخرى أو منظمات غير معنية مباشرة بحقوق المتلقين بل ناشطة في مجالات أخرى قريبة منها مثل تلك المعنية بالأطفال أو بذوي الحاجات الخصوصية بالنظر إلى أن لأولئك المواطنين رأيا في المضامين الإعلامية.

ونسجت تونس على ذلك المنوال بأن فتحت باب مشاركة المجتمع المدني في مجلس الصحافة عبر الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وقد يكون مجديا أكثر أن تُنشأ جمعيات مختصة في حقوق المتلقين حتى تكون المساءلة أجدى فتعدد الجمعيات يؤدي إلى تنوع الآراء ويكون التعبير عن رغبات المتلقين أوسع.

فالتدقيق في النصوص القانونية وإعطاء المتلقين فرصة لمساءلة الصحافيين عبر لجنة الشكاوى وإنشاء جمعيات توصل رغبات المواطنين إلى هؤلاء تكون ترجمانا لفضاء عام لا تتحكم فيه “فلسة العروي”.

18