ثقافة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين

الأحد 2015/08/16

هناك دائما ثقافة جديدة تتشكل بسرعة هي “ثقافة المفوضية السامية لشؤون اللاجئين” فالأمم المتحدة لا تقبلك لأنك تحب التوحيد، وترفض عبادة القبور، ولا تريد تغيير معتقدك الديني. هذا الكلام غير مفهوم عند مفوضية اللاجئين، الطريقة الأسرع هي الهرب من داعش التي تهدد حياتك وتسجنك وتقتل أخاك، وتغتصب النساء أمام عينيك، وتأخذ والدتك سبية، وتعلق إخوتك جميعهم بالمسامير العملاقة، وتفرض على أبناء أخيك الصغار إطلاق الرصاص على أمهم.

هذا النوع من القصص هو الرائج للّجوء ثم تتحول القصة الخرافية إلى واقع بالتثبيت، يظهر شباب مختصون بهذه الكتابات يقيمون قرب مفوضية اللاجئين عادة، وتنعكس القصص مباشرة على التواصل الاجتماعي والصحف.

لا يريد مكتب اللاجئين سماع قصص التعذيب في أبو غريب، وحتى لو عندك آثار اغتصاب أو تعذيب من أبو غريب أو من سجون المالكي السرية فالأفضل أن تقول بأنها على يد داعش.

أيام صدام حسين الأمم المتحدة تريد سماع شيء واحد أيضا، أنت “كردي” هلكت عائلتك في حلبجه بضربة كيمياوي، أو تم دفن عشيرتك في الصحراء بعمليات الأنفال، ثم بيعتْ بنات عمك الكرديات في الأنبار.

أو أنت “شيعي” اغتصب البعثيون ذويك بالسجن، وذوبت الشعبة الخامسة جميع إخوتك في أحواض الأسيد لأنهم شيعة. ثقافة اللجوء تبدأ بفتح ملف، وتنتهي إلى ثقافة جماعية وكتب ومؤلفات وقوانين دولية.

سيدة من أقاربي هربت من الموصل مؤخرا، تقول بأنهم نصحوها بقول شيء واحد للقبول بالأمم المتحدة، ونفذت النصيحة وتمّ قبولها. قالت لهم عندي أربع بنات، وعناصر داعش يطرقون الباب كل يوم يريدون بناتي القاصرات للمقاتلين الأجانب، لهذا خفت وهربت إلى تركيا. السيدة هربت في الحقيقة من صاروخ أميركي سقط قرب بيتها.

ومع استلام هوية الحماية من المنظمة الإنسانية، والمساعدات والمعلبات، أصبحت قريبتي تكرر حتى أمامنا “الحمد لله هربت ببناتي من داعش”.

قبل سنوات بعيدة هربنا إلى دول الجوار، وبدأنا نتواصل ونقرأ الكتب ونتابع الصحف، وأخذت تتشكل مجالس خاصة للحوار السياسي الوطني والفكر والعلاقات. فجأة بدأ المجتمع الصغير ينهار، فقد أخذت منظمة الأمم المتحدة تقضمه شيئا فشيئا. وكلما تسأل عن شخص يقولون لك بأنه قد سافر، ثم تسافر أنت أيضاً خلف المحيطات.

ومن جديد بعد سنوات قليلة ينهار الشتات العراقي في الغرب باحتلال العراق 2003 فالمهاجر الذي اشترى بيتا أيام الحصار بثلاثة آلاف دولار أصبح مليونيرا بسبب طفرة العقارات، وهناك الذي باع كل شيء في الغرب، وسحب حتى رصيده، وبطاقات الائتمان، وأخذ عائلته نحو العراق. التجارة والدفاتر والدولارات تدفقت.

أخذ اللجوء العراقي يتداعى، لم يعد الشيعي يزوّج ابنته لشخص “دايح” بالخارج. وبعد سنوات من التمييز الطائفي في العراق انفجر المجتمع السنّي، مخيمات في تركيا والأردن وأمم متحدة. عودة مضادة نحو دول اللجوء.

السنّي يريد هجرة إلى الغرب، والشيعي يريد دولارات، وداعش تريد الأرض وتستقدم المقاتلين الأجانب. مشهد عجيب حقا. المحارب الدائم في هذه الملحمة هو مكتب اللجوء بالأمم المتحدة.

يقول شاعر عراقي “وطني أنقذني/رائحة الجوع البشري مخيفة”. جوع وخوف وبشر يبحثون عن آدميتهم. أيدٍ ممتدة تطلب وطنا جديدا، ولغة جديدة، وبيتا جديدا. وفي المخيمات لا يبقى في الإنسان سوى الحقد، والرغبة بالنسيان، والهرب من الذاكرة.

في الانتظار يزداد الإنسان فراغا، والبشر ليسوا فقراء وأغنياء فقط، بل هناك علم النفس اليوم والأمراض العقلية. وبين كل هذه الأكوام تظهر الحركات الإرهابية المدمّرة، حيث يقولون لك بأنهم ليسوا طالبي لجوء، ولا يعانون من أمراض عقلية، بل هم أصحاب رسالة سماوية وكفاح، وجاؤوا ليحاربوا وينشروا تعاليمهم بين الناس كافة.

ماذا يفعل الدواعش الآن في الرقّة والموصل والرمادي؟ كيف يخططون لوقت الهدوء، ووقت آخر يشغلون فيه المنطقة كلها؟ ماذا يريدون؟ هل حقاً يحلمون بدولة تتمدد بلا اعتبار للحدود الدولية المعترف بها؟ هل يصرون على بناء مدن تحلّق فوقها الطائرات الحربية الأميركية؟ هل يجرؤون على تحدي سادة العالم المتحضر؟ السادة الكبار الذين نتوسّلهم كل يوم ليقبلوا بنا لاجئين. مَن هذا الذي يجرؤ ويتحدى جبابرة الأرض وسادتها والرجال البيض. يبدو أن كل ما يجري هو على حساب الصحة النفسية للأطفال، وعلى حساب البسطاء طبعا.

المشكلة أن المهاجر في كثير من الأحيان لا يعرف الغرض من سياسة الهجرة العالمية، ويعتقد بأنه مدعوّ للحديث عن سبب تخلف العرب ومشاكل الإسلام، ولا يدري بأن المطلوب منه العمل والانضباط وعدم خرق القانون والعناية بالأطفال فقط. لا تتملق الشرطي، ولا تشتم الإسلام، ولا تتكلم عن سبب تخلف العرب.

نأخذكم لاجئين لأن صدام حسين شرير، نأخذكم لاجئين لأن داعش شريرة، نأخذكم لاجئين لأن الحشد الشعبي شرير، نأخذكم لاجئين لأننا نحاصركم، نأخذكم لاجئين لأننا نقصفكم، نأخذكم لاجئين لأننا نحتل بلادكم، نأخذكم لاجئين لأن بلادكم غير صالحة للتنفس. نأخذكم لا تقلقوا فقط حدّثونا في الملفات كم تحبوننا.

إلى متى تنجب العراقيات والموت يحصد واللجوء يحصد؟

كاتب عراقي

5