ثقافة المكر والإنكار

الاثنين 2014/12/01

لم يعش الرسام المغربي أحمد الشرقاوي سوى ثلاث وثلاثين سنة. حياة قصيرة انتقل أثناءها من البادية إلى باريس، ليكتشف أن سحر العلامات التي رآها في طفولته، هو واحد من أعظم الدوافع الجمالية التي تصنع الفن الجديد.

وإذا ما كان قد اكتشف في باريس رسوم بول كليه، فإن تلك الرسوم قد قادته إلى الينابيع البصرية التي جلس أمامها كليه نفسه مسحورا ذات مرة.

حين رأيت رسومه أول مرة في مركز جورج بومبيدو، خُيّل إليّ أن الرسام المولود عام 1934 لا يزال حيا، وأنه لا يزال يراقب تحولات لوحاته التي لم تجف أصباغها بعد، كانت رسومه حية، مثل وشم ساخن على جسد راقص.

شيء عظيم أن الشرقاوي لا يزال حيا، صحيح أنه قد تعلم من الذاكرة الجمعية لشعبه الشيء الكثير، غير أن ما يصحّ أكثر أنه فتح تلك الذاكرة على فضاء كوني لا نهاية له، لقد أنتج رسوما تسمو بالعادات اليومية إلى مرحلة السحر الذي تقدسه الأرواح الهائمة. كان شعبيا في طريقة ائتلافه ونخبويا في طريقة اختلافه، وهو ما مكنه من التفريق بين النظرة الغربية إلى فنوننا باعتبارها فنونا تطبيقية، وبين النظرة الجمالية المطلقة التي تضع تلك الفنون في إطارها التاريخي.

لم يخف الشرقاوي ميله الغريزي إلى استلهام مفردات جمال استطاع أن يلهم شعبه خيالا شقيا، وهو الخيال الذي ألهم لديه قوة التماهي مع الرموز والعلامات الشعبية التي لا يدرك عمق مغزاها الغرباء.

كانت هناك لغة سرية حاول الشرقاوي أن يكشف عنها بصريا، هي لغته الشخصية التي كانت بمثابة بوصلته في لحظة تاريخية، كان فيها الفن الحديث في المغرب يتلمس الطريق إلى بداياته.

كان الشرقاوي يرسم لكي يتذكر، غير أنه في الوقت نفسه كان يرسم لكي ينسى؛ يرسم ما يتذكره وينسى ما يرسمه. لقد أقام الشرقاوي ملعبه في المسافة التي تفصل بين ثقافتين: ثقافة المكر وثقافة الإنكار، فكان وفيا لثقافة تمكر لما ينكره.


كاتب من العراق

16