ثقافة النص النقدي

الجمعة 2013/09/13

ما أحوج الثقافة العربية اليوم، في ظل الانكسارات الكبرى التي طالت بنيانها إلى إعادة النظر في منجزها الثقافي في إطار حالة نقدية تبدأ بإطلاق فعل نقدي و"نقد نقدي" يكونان سبيلها إلى التجدّد.

إذ لا يخفى أن النقد اتسعت مجالاته وتنوّعت آلاتُه حتى بات فعلا واجبَ الوجود في مجالات المعيش البشري، حيث تكفّل فيها بوظائف المراقبة والتفكيك والتأويل وكشف الأعطاب وتثمين المزايا.

ولعل النظر في هذه الوظائف يُحيل إلى كون النقد، وهو يخالط النص الإبداعي أو السلوك الاجتماعي، إنما هو يسلّط يقظته على مادة المنقود وشكل المنقود معا، ومن ثمة، نراه في الوقت الذي يرقى فيه بمفاهيمه إلى مستوى "العلمية"، ينزل بكلّ ثقله إلى هوامش الحراك البشري، ويترجّل في غميسه مستمعا بانتباه إلى ما يتخفّى فيه من جلبة حشود الدَّلالات.

ولئن طغت على النقد صوَرُه الأدبية والفنية والسياسية والاجتماعية، وكثرت ضمنها الاجتهاداتُ التي تروم تأصيل أثر إبداعيّ أو فكريّ أو اجتماعي في حقول "الجميل" و"الممكن" و"المباح"، فإن للنقد صورا أخرى لعلّ أظهرها ما سمّاه تودوروف "نقد النقد"( أو"قراءة القراءة") ويعني به "مغادرة حدود الشعرية وتوسيع مساحة الأدبية لتشمل الأبعاد الأخلاقية والوجودية" للأثر الإبداعي.

ومن المؤكّد أنّ "نقد النقد" فعل يروم تَصحيح الممارسة النقدية من خلال البحث في مدى مناسبة، أو عدم مناسبة، الخبرات المستعمَلة فيها لطبيعة الموضوع المنقود وانتظارات متلقّيه، وذلك ضمن نقد حواري تفاعلي بين النصوص القارئة للآثار الإبداعية، ما يجوز فيه القول إنه فعل لا ينصبّ على "طبيعة" النص النقدي فقط، بل ينصبّ أيضا على "ثقافة" ذاك النص من جهة مراجعه الفكرية والتراثية والجمالية.

هناك كتب خاض أصحابها في مسألة "نقد النقد" على غرار "قراءة القراءة في أدب المحنة" لمحمد رشاد الحمزاوي الذي يقول عنه: "قراءة القراءة رحلة في قراءاتِ مَن قرأوا نَتاجي الأدبيّ بأنواعه، والمراد من ذلك قلبُ المعادلة حيث أردتُ أن أصبح مُرسِلاً إلى مُرسَلٍ إليهم وأعني بهم كلّ مَن قرؤوني حتى يسمعوا رأيي في رأيهم"، وكذلك "نقد النقد وتنظير النقد العربي المعاصر" لمحمد الدغمومي و"نقد النقد في التراث العربي" للباحث عبد العزيز قلقيلة و"مساهمة في نقد النقد الأدبي" لنبيل سليمان. لم تتفق الدراسات التي باحت بسعيها إلى أجرأة مفهوم "نقد النقد" على مفهوم موحَّد لـ"نقد النقد"، حيث عمد بعضها إلى البحث عمّا يضاهيه في الدَّلالة داخل أمّهات الكتب النقدية القديمة، وذهب البعض الآخر إلى القول بأنه مفهوم "وافد" محمَّل بملامح ثقافته القائمة على مبدأ الاعتراف (المسيحي) وهو ما نفتقده في ثقافتنا العربية. وهناك دراسات اعتمدت التوفيقية سبيلا إلى تأسيس فعل "نقد النقد".

وعلى ما في هذه الدراسات من جرأة ومغامرة، فإنها تترك باب "نقد النقد" مفتوحا على التعاطف المتملّق لـ"نقّاد النقد" مع النص الناقد أو امتعاضهم الشديد منه، وهو ما نلفي له توصيفا في بيت الإمام الشافعي القائل: "وعين الرضا عن كل عيب كليلة/ وعين السخط تبدي المساوئَ".

14