ثقافة النقاش

الأحد 2017/05/07

النقاش الثقافي معرفة.. والنقاش وعي.. لا نقاش بلا هدف وسبيل وغاية.. النقاش إعلان الحاجة إلى المزيد من المعرفة أو إيصال معرفة وفكرة ورأي وموضوع إلى الآخر.. والنقاش في أحد أوجهه جدلا معرفيا أيضا.. والمجادلة التي تفضي إلى التعنّت تبتعد عن الثقافة ويكون المجادل خارج حزمة الوعي ويتحوّل النقاش إلى جدل عقيم وصف من قبل الرسول الأعظم محمد (ص) بقوله (الجدل يقلّل العمل).

والجدل يختلف عن النقاش الذي هو روح لديمومة التواصل وتحريك ذرّات التفكير، وإخراج المكنون من القراءة والمعرفة في العقل لكي تكون مفيدة.. القراءة تواصل والنقاش استلهام والعكس صحيح.. والنقاش هدف والمعرفة سبيل والعكس صحيح.. والحوار نقاش هادف في بعض أوجهه.. النقاش إذا تحوّل إلى تعنّت وهدفه إيصال فكرة ما بالقوّة أو القبول بها عنوة وتحديا لا تتحّول تلك الفكرة إلى شيء فاعل أو ثقافة واعية بل إلى تصلّب العقل، لأن الذي آمن به لا عقل له.. فهو قد اجترحها خلال نقاش وهو لا يملك الوعي والإرادة لرفضها مثلا أو مناقشة نواقصها..

والنقاش الذي يخرج عن حدود المعقول وارتفاع الصوت والتصلّب في الطرح والتقاطع لا يكون نقاشا، بل يتحوّل إلى مشكلة ثقافية وتنعكس على العلاقات الاجتماعية.. بعض الحوارات تجري بلا معنى فيصاب النقاش بالضعف فتكون النتائج هزيلة إن لم تكن ذات مردود عكسي.. والنقاش لا يعني الحوار في بعض مفاصله لأن الحوار يجري بين شخصين يكون بينهما موضوع معيّن يريد كلّ شخص توضيح ما عنده من فكرة الموضوع إلى الشخص الآخر للوصول إلى تطابق في الإقناع من خلال ما يمكن أن يكون عاملا مشتركا بين الشخصين وهو العقل بعيدا عن التعصّب للفكرة.. والنقاش قد يكون بين مجموعة تروم التوصّل إلى إثباتية لكل طرف من طرفي النقاش.. والحوار تداول لفكرة لا يكون فيها الاستئثار وتكون روح وأعصاب المتحاورين هادئة.

أما النقاش فهو محاولة معرفة أخطاء الآخر من خلال استقصائها لاحتسابها لتكون كمّيتها حجة في مواصلة النقاش.. والنقاش يكون معرفيا إذا لم يخرج عن جادّة التلقّي وإضافة الوعي والمعرفة والتوعية للآخرين المشاركين في حلقة النقاش حتى لو كانت خلال أمسية ثقافية أو ندوة تلفزيونية أو مؤتمر له محاور عديدة ترتبط بالعنوان المراد مناقشته للوصول إلى توصيات.. في حين تكمن مشكلة الجدال في التنصّل من فكرة التسليم بأهمية النقاش وتوصياته.. والتزمّت برأي واحد لأحد الطرفين كأنه الحقيقة المطلقة ولا إمكانية لحلحلة الفكرة والتفاهم، خاصة إذا ما تحوّل التعنّت إلى إنكار الآخر، وربما تصل إلى تصفيته من خلال طرح سلبياته على أنها خارجة عن المألوف وتنفذ أفكارا لجهات أخرى ولها أجندات لتفتيت المجتمع أو المقدّس أو السلطة أو حتى الأعراف..

لذا يكون الجدال خارج توصيف ثقافة النقاش وهو كثيرا ما ينتهي إلى ذمّ الآخر ويتحوّل إلى سفسطة آلية لا تمت إلى الفكر المتنّور بشيء رغم أن لكلّ جهة فكرة ولكنها متعصبة لا يقبل أي طرف زحزحتها لمنطقة النقاش. في حين تتطلّب ثقافة النقاش فهما للوعي وتقبّل الحوار واحترام رأيه حتى لو كان مخالفا لرأي المناقَش الآخر ويبقى المناقِش يبحث عن نقطة التواصل.

إن ثقافة الحوار فاضحة لثقافة المجتمع وهي التي تقود إلى تحوّل الحوار إلى نقاش هادف أو جدل عقيم.. وكثيرا ما ننتقد أنفسنا، لأن حواراتنا ونقاشاتنا تتحوّل إلى جدل بيزنطي أي التعنّت في الفكرة لأننا أبناء تربية قروية.. لذا فإن ثقافة الحوار والمناقشة هي ابنة البيئة التي تعلم النقاش.. وحين يكون النقاش مفيدا يكون التلقّي أكثر فائدة والنقاش البنّاء يسمح بوجود الخطأ على أنه مؤشر كونه خطأ من أحد الطرفين ويتم قبوله واستحسانه.. والنقاش يحتاج إلى هدوء والهدوء درجة من درجات الوعي والثقافة..

ولذا حين يكون المثقّف منفلتا لأعصابه يتحوّل إلى مجادل للفكرة المتعصبة وليس المجادل بالتي أحسن التي تريد الوصول إلى قناعة الفكرة لدى الطرفين.. من جهة ثانية فإن النقاش يحتاج إلى ثقافة إنصات أيضا لتكتمل الفكرة ويكون الردّ بالمقابل على ما كان من حوار لدى الطرف الآخر وما حمل من أفكار.. ولذلك كثيرا ما تكون نقاشاتنا عبارة عن إظهار الثقافة والخروج عن فكرة المناقشة ليس بهدف الوصول إلى معنى النقاش بل لتبيان كميّة الثقافة لدى المناقش أو المتداخل في الحوار من أجل المناقشة.. وبتعريف بسيط نقول.. إن النقاش وعي وثقافة وأساس بناء الحضارة العميقة لأيّ أمّة تريد التغلّب على العصبيّة المرافقة للجدل.

كاتب من العراق

11
مقالات ذات صلة