ثقافة الهامش ونسبية العالم

لس منافيا للواقع أو المنطق القول إن القوة الشبابة في المجتمعات العربية قوة مركزية، لكن مركزيتها مهمشة بفعل سطوة وتسلط مركزيات أخرى عدة حاكمة وطاغية.
الأحد 2019/07/14
الشباب والمرأة مركزيتان عربيتان مهمشتان (اللوحة للفنان بسيم ريس)

كيف يمكن لنا أن نتحدث عن ثقافة الهامش، ثقافة الحيز المجتمعي المهمش قسراً في الثقافة العربية، من دون أن نضطر إلى فتح ملفات شتى ترتبط بفكرة الهامش، بدءاً من المصطلح، وليس انتهاءً بالصور المتعددة والتجليات المختلفة الدالة على هذا الهامش، ومثالنا هنا، الشباب وما يصنعونه اليوم وينتمون إليه من ثقافة حددت لنفسها وجوداً على نقيض من سائر ثقافات المجتمع، أكانت رسمية، أو شعبية أو نخبوية، بتلويناتها وصورها وأيديولوجياتها ومرجعياتها وسردياتها المختلفة.

ثقافة الهامش الشبابي في المجتمعات العربية، التي جعلت من نفسها حيزاً مختلفاً، وتريد لاختلافها أن يتحقق، ويظهر من خلال صيغ تعبيرية وفنية مختلفة، تحتوي على موقف من المجتمع، وتعبر عن روح متمردة على قيم وصيغ وأحوال مرفوضة ولابد من الخروج عليها.

***

لس منافيا للواقع أو المنطق القول إن القوة الشبابة في المجتمعات العربية قوة مركزية، لكن مركزيتها مهمشة بفعل سطوة وتسلط مركزيات أخرى عدة حاكمة وطاغية تقف في طليعتها تاريخياً مركزية الأب، وهذه، كما عرفنا دائما، لها تجليات شتى في الثقافة والاجتماع، فالأب يحضر في العائلة بوصفه عمود البيت، ويحضر في البنية التربوية، بوصفه المرجع والمركز، وفي البنية السياسية على صورة حاكم مطلق.

فالأب صاحب حاكميات متعددة المستويات، متشعبة التجليات، وطاغية على نحو  يتجاوز الشرط التاريخي، وبالتالي مخالف لمآلانها في الجغرافيات الثقافية الأخرى، في الغرب مثلا حيث لم يعد للأب حضور طاغ في العائلة، تعبيراً عن انحسار دوره على مستويات أخرى، سواء في المنظومة التربوية أو في المنظومة السياسية. يمكن لأطروحات هشام شرابي (البنية البطريركة في المجتمع العربي) أن تسعفنا في تلمس الخصوصية العربية للأب، وتجليات الذكورية العربية. في حين يمكن لهربرت ماركوزة أن يقدم لنا تشخيصا مدعوما بالأمثلة البارعة على تجليات ومآلات صراع الأجيال في الثقافة والاجتماع الغربيين. (وهو ما لا نجد له نظيراً عربياً).

***

والواقع أن التطور التاريخي للمجتمعات الغربية تكفل بتحجيم صورة الأب وانتزاع سلطاته الاجتماعية منذ زمن بعيد، وذلك ترافق مع نشوء البرجوازية، وولادة الحقوق الفردية، وتطورها المضطرد بفعل التطور الرأسمالي، وظهور أنظمة حقوقية وفنون وآداب عبرت عن جملة من التحولات الهائلة التي قضت تدريجيا على سلطة الأب كما عرفت في مجتمعات الراعي والقطيع.

***

ما اصطلح على تسميته بثقافة الهامش، هو التعبير اليومي بالكلمة والصورة والرسم وفنون الوشم والحركة المسرحية والأغنية، والفيديو كليب، والفيلم القصير، وغيرها من الفنون المستجدة في صيغ خارجة على المألوف

ليس من شأن هذه الكلمة أن تقارن بين تجليات صورة الأب في الثقافة العربية والثقافات الأخرى، ولا حتى محاولة قياس وزنه النوعي، أو قراءة تحولات صورته في الثقافة العربية، ولكن القصد كان مجرد الإشارة إلى خصوصية مكانته المركزية في الثقافة والاجتماع العربيين، ودوره التاريخي في صناعة مركزية طاغية مقابل تهميش مركزيات مجتمعية أخرى تمثلت خصوصا في مركزيتي الشباب والمرأة المهمشتين، على خلفية تشققات زلزالية عربية طالت جغرافيات ومجتمعات كانت قد بدت حتى الأمس القريب شبه مستقرة بمنأى عن مفاعيل السياسة والصراع السياسي، فإذا بها تواجه، مرة واحدة، واقعاً زلزالياً عربياً غير مسبوق، صدم الصور المستقرة وشققها على نحو اهتزت له صيغ حاكمة، وتهاوت معه مقولات وأفكار وتصورات ذهنية عن الذات والعالم، وعن الأفراد والجماعات وصيغ الحكم، فالثقافة والأخلاق، كان الطغيان الأبوي في صيغه المهيمنة على البنية الفوقية للمجتمعات قد رسخها في المخيلة الجماعية.

***

مرة واحدة استيقظت قطاعات هائلة من الشباب والنساء على عالم عربي قديم، وعلى هامش العصر، بدا لهم كما لو أنه آيل إلى الاختفاء، ويقع على عاتقهم تاريخياً واجب دفنه، لينهض مكانه عالم عربي جديد وفي قلب العصر. وقد حدثت الاستجابة بأشكال مختلفة، بعضها منظم وبعضها اعتباطي وعشوائي، جلها سلمي قوبل بعنف مهول، استفزّ فيها عصبها الوجودي، وألجأها على  الرد على العنف بالعنف. وقد حدث ما حدث من استجابة شبابية للعب دور تاريخي بإفراط عاطفي وحلمي، وبالقليل من الإمكانات الفكرية والتنظيمية في مجتمعات معطلة تاريخيا وممنوعة من امتلاك الخبرات.

***

والسؤال، الآن، هل أفرط الشباب في ثقتهم بقدرتهم على إحداث فرق حقيقي في عملية التغيير التاريخي، على سبيل زحزحة (ماض) يحتل بشبحه الثقيل (الحاضر) ويسد طريق (المستقبل)، لتحقيق آمال كبيرة لم تعد عصية على التحقق؟ أم أن البنية البطريركية العربية ما تزال المركزية الأقوى والأقدر على تهميش سائر المركزيات الأخرى، وفي طليعتها الشباب والمرأة؟ وما هي العوامل التي جعلت الشباب العربي متهيباً من اقتحام المركز بقوة تتناسب وحجمه المجتمعي وقدراته غير المحدودة على غير صعيد؟

أيا يكن الجواب، فإن ما اصطلح على تسميته بثقافة الهامش، هو التعبير اليومي بالكلمة والصورة والرسم وفنون الوشم والحركة المسرحية والأغنية، والفيديو كليب، والفيلم القصير، وغيرها من الفنون المستجدة في صيغ خارجة على المألوف، والمعنية في أن تصنع من نفسها هامشاً موازياً وله لغته وفنونه المختلفة في مواجهة مع الثقافة السائدة، فقد ألفت هذا الدور، وهاهي تعمق حضورها فيه، وتبلور صورها من داخله، وتصنع منه قلعة لخيالاتها وابتكاراتها المحمولة على موجات من الرفض الصانع للاختلاف بوصفه هوية، فهي على نحو ما تؤبد نفسها في هذا الحيز (الهامش)، قابلة به، ومؤثرة له مادامت لم تتمكن، وربما لم تحاول جدياً من احتلال قلعة الاب، وهو ما يمكنها من تفجير قدراتها الحبيسة  لتوسيع رقعة وجودها الثقافي والفكري ولعب دور مركزي في المجتمع والتاريخ. إنها تقبل بالهامش بوصفه قلعتها المسورة بجماليات السلبي وأهوائه الغريبة المعبّر، من خلال فنون مبتكرة، سليطة أحياناً، عن نزوعه المتمرد.

السؤال، الآن، هل أفرط الشباب في ثقتهم بقدرتهم على إحداث فرق حقيقي في عملية التغيير التاريخي، على سبيل زحزحة (ماض) يحتل بشبحه الثقيل (الحاضر) ويسد طريق (المستقبل)، لتحقيق آمال كبيرة لم تعد عصية على التحقق؟ 

لنستدعِ إلى الذهن الآن، الكلمات وتراكيبها في فن الراب، البعد الساخر، والسلاطة الخادشة للكمال الأبوي، والهزء بالقيم القارة، وبالسلط على صورها المختلفة. كذا فن الغرافيتي وشطحاته المكبوحة وميله إلى أنواع مبتكرة من التورية، بفعل احتراز السلطة وخوفها من الجدران.

في فنون المسرح تبدأ المسألة بالتعقد أكثر، ويجد الهامش نفسه ثائراً لا على صيغ القول والتعبير المسرحي، بل وعلى المسرح كمكان وصيغة، بين خشبة وجمهور يجلس في العتمة، فها هي صيغ التعبير المسرحي تحرج إلى الشارع لتصنع من غاراتها على المارة مسرحا، ومن المارة جمهوراً لهذا المسرح. ولربما كان هذا الفعل أكثر جرأة وجدوى معا، من الاستسلام إلى الصيغ المسرحية القديمة، التي باتت في نظر الكثيرين من أهل الهامش، شيئاً عديم الجدوى. فالممثل ونصه وجمهوره لا يتعدى أهل الكار.. وهو ما يحيل الحوار المسرحي إلى مولوغ عديم الفائدة.

***

نتحدث عن فنون الهامش في ظل حالات السلم الأهلي، والظروف شبه الطبيعية، وسوف تختلف الصيغ والحالات في ظل ظروف احتراب أهلي، او صراع اجتماعي حاد، أو حراك مدني وسلمي يواجه من قبل السلطة الشمولية بالعنف، هناك تتقشف فنون أهل الهامش، تصبح أكثر آنية وغرضية وتنتج جمالياتها بالتالي من قدرتها على التعبير الحركي عن الجماعات التي تنتجها، والتي تنتج لتعبر عنهم، وتسرد قصصهم، فتبرز اللافتة، والأغنية، والصورة، والكتابة على الحائط بوسائل بسيطة، غالباً، وصارخة تعبيرياً.

آمل أن لا يبدو كلامي، هنا، ذا وظيفة نقدية سالبة، فأنا لا أميل هنا إلى تأطير لصورة سلبية للهامش كحيز متمرد على نحو فوضوي (أنارخي)، بلا وظيفة مجتمعية، بل إن بأسا مجتمعيا متمرداً على الطغيان، إنما يفتح أزهاره في هذا الهامش، ويمكن لرقعة الهامش مهما ضاقت أن تسرد الحكاية المجتمعية بأسرها، بابتكارية لاقتة، وبحميمية رائعة، عبر بلاغات متمردة.

***

وبالعودة إلى المركزية الأبوية، والعنف الذكوري المفرط، وقد عبر عن نفسه في العقد الأخير من الحراك المجتمعي، ببذاءة تاريخية، من خلال عمليات اغتصاب مرعبة انتهك معها الجسد الجماعي للمرأة، ارتكبت في جغرافيات عربية مشتعلة، فإن ما يجعل المسألة برمّتها أسيرة المفارقات التاريخية الساخرة، أن المركزية الأبوية العربية بسلطاتها التي تبدو غير محدودة، وضمنا سلطةالقضيب المغتصب، هي مجرد هامش بائس (جرى تحجيمه مراراً)  من قبل الذراع الاقتصادي والسياسي والعسكري للمركزيات الجيو سياسية والحضارية الغربية الكبرى، التي ما زالت، كما في الأمس، كذلك اليوم تحيل الشرق برمته (والعرب ضمناً) بأنظمته وجموعه وثقافاته إلى مجرد هامش مستضعف (ومؤنث)، يمكن تأنيبه علناً، بل وتقريعه، ولو اقتضى الأمر إسقاطه، فهو لاحول له ولا قوة أمام سطوتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية.

خلاصة القول، إن الهامش نسبي. كما هو كل شيء في العالم، وأساساً في الوجود.

 ينشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

10