ثقافة الوحوش الضارية وصناع الموت

السبت 2016/02/13

لم يكفّ طغيان الجشع وعدم الانقطاع عن اللجوء إلى إعمال العنف العدواني من قبل أناس يفترض أنّهم من البشر على آخريهم، من بشر وكائنات طبيعيّة وموارد حياة وموجودات منذ زمن قابيل وهابيل، وعلى امتداد الأزمنة حتى زمننا هذا، عن إحالة أناس ومجموعات وكتل وكيانات شكّلها أناس من النّاس، إلى وحوش مقرّنة تكفّلت، ولم تزل تتكفّل، بتحويل العالم إلى حلبات اصطراع دمويّ على غنيمة لم يصطدها، ولن يصطادها أبدا، أيّ منهم.

ولم يكن للاستمرار في كتابة حقوق زائفة يزعمها لنفسه شخص أو مجموعة أو طائفة أو ملّة من النّاس فوق حقوق أصليّة، أصيلة ومؤصّلة، يملكها آخرون من النّاس، أو تستحقها الطبيعة في ذاتها أو موصولة بحقوق تكتنزها للأجيال القادمة من البشر، أو يستوجبها الإعلاء من شأن صيرورة الحياة وارتقاء الثّقافة الإنسانيّة المستنيرة التي ليس لغيرها أن يعلي من شأن الإنسان والحياة، إلا أن يحيل هؤلاء النّاس، أفرادا أو جماعات أو كيانات أو دولا، إلى وحوش تؤسّس كيانات متوحّشة يديرها أخطبوط متوحّش ذو سبعة وسبعين ذراعا، توشّمها مراسيم حصانة ممنوحة من قبل قوى متجبّرة تمكّنت من تحويل العالم إلى أسواق فاغرة الأفواه، وحيوات البشر إلى سلاسل أرقام في بورصات الأعمال والمال، ومنجزات الحضارة الإنسانيّة ومصائر النّاس إلى قرابين رخيصة على مذابح الاستئثار والجشع والاستعمار والاستغلال والاستبداد والعنصريّة والتّطرّف المسلّحة جميعها بإرهاب منفلت من كلّ عقال.

فهل يحقّ لنا، نحن الإنسانيين من أبناء هذا الزّمن الذي تصرع فيه الإنسانيّة بسواطير نقائضها المضرّجة بالدّم، أن نتساءل عن مصير إنسانيتنا، وعن مصائر أبنائنا ومصائرنا؟

إلى أين يأخذنا هذا التطرف الاستئثاري الاستعماري الرأسمالي الاستغلالي العنصري العرقي الطائفي المذهبي، المسكون بالعنف العدواني والإرهاب الأسود، اللذين شرعا يغطّيان مساحات الأرض بعد أن أثقلت بساطير المرتزقة من مجنّديهما وأحطاب محارقهما من جهلاء الناس وطأتها الباهظة فوق قلب البشريّة الشآمي الذي خفق نابضا، فأنبض قلب حضارة الإنسان مذ عرف إنسان وعرفت حضارة؟

وهل ثمّة من طريق أمام البشرية الحقّة تستعيد عبره هويّتها المهدورة بيد من يزعمون لأنفسهم انتماء إليها إلا أن تقف أمام مراياها لترى إلى وجهها، وقد طمست الحقيقة قسمات وجوههم الشّوهاء كي ترى، بأمّ عينيها، ما فعله صمتها وتقاعسها وإذعانها المذل بها؟

فيا أيّها القابضون على جمرة الإنسانية وهاجة في أعماق القلوب والعقول والضمائر قيما نبيلة ومبادئ سامية، تيقّنوا أنّ “آخريكم” من هؤلاء النّاس المسكونين بالجشع قد غادروا الإنسانية وأوغلوا في نقيضها الذي يدفعونكم إليه الآن، كما قد فعلوا في كلّ آن، قهرا؛ وتيقّنوا أنّ الجشع الذي جعلهم يستبدون بكم ليستئثروا بالحياة لأنفسهم قد جعلهم “وحوشا ضارية”، ليس غيركم فرائسها المتاحة، و“صناع موت” ليس غيركم أحطاب محارقه المنصوبة في بلادكم، وجثث ضحاياه الطّافية فوق نهور دم الإنسانية المهروق.

ويا أيّها الأحرار الأحرار من الناس، من كل لون وعرق وجنس ولغة وثقافة وديانة وطائفة ومعتقد ووضع اجتماعي واقتصاديّ ومستوى وعي ومذهب، إنما هي صرخات آلامكم، وعجركم المهيض، تلك التي يتردّد صداها ورجع صداها في صرخات آلام أطفال الأمم والأوطان المقهورة وأوجاع أمهاتهم وآبائهم وأهليهم وجذور سلالاتهم وآخريهم الذين طواهم الموت أو الذين يفرد، الآن، طائره الأسود أجنحته الحديدية الملتهبة بالنار فوق ظلالهم ليطويهم؛ فهل تطوون غلالات العجز المهيض وتشرعون في مواجهة موتكم المهين المتحقّق الآن في موت آخريكم من أبرياء النّاس في أغلب أحياز الأرض ومساحاتها المنتهكة؟

تلك صرخات تصبّ الدّم في أوردة المقتول الأوّل “هابيل”؛ في عروق دمه وشرايينه التي لم يحجرها النّسيان، ولا طول الزّمان، ولا تأجيل القصاص العادل من القاتل الأوّل “قابيل” عبر تحصينه بفتاوى ومراسيم لا تطلب إيقاع القصاص غير العادل إلا على من يلاحقه ليقتصّ، بعدالة ممكنة، منه.

فهل لصرخة هابيل المسكونة بصرخات ملايين الملايين من البشر المقتولين والمرشّحين للقتل، ظلما وعدوانا، والميّتين في حياة جحيمية هي اسم آخر للموت، أن تصل أسماع من تبقى من البشر ليشرعوا في عبور مسارات تقيم العدالة وتعلي من شأن الحياة والإنسان؛ فتعيدهم إلى إنسانيتهم التي شرع التّوحش في لفّ جثتها في أطواء كفن من غبار؟

كاتب من فلسطين مقيم في براتيسلافا

16