ثقافة تهميش الثقافة

الجمعة 2014/02/21

عرفته قبل هذا الأوان، بالكاد يحقّ عليه وصف فنان، يتلمس لصوته العاثر طريقا من شارع إلى ممرّ فزقاق، يغني أينما كان وكيفما اتفق، في الأعراس والمراسم الوطنية، والعلب الليلية، المهمّ أن يغني، ولو دون مقابل.

يُحرجك في عربدته الصباحية، بحثا منه عن نشر خبر له عن آخر إنجازاته الغنائية الشعبويّة، ويُربكك أكثر إن وجدك صدفة في أحد الأفراح العائلية، فيترك الزفّة و”المعازيم” ويغني لك وحدك مع كثير من “تعظيم سلام” لعبقريتك الصحفية التي ليس لها مثيل في زمن العويل.

ومع صعود حكم الإخوان، فجأة ودون مقدمات وبقدرة قادر، تحوّل صديقنا إلى مدير أعمال بدرجة فنان، فهو متعهّد حفلات ومنسق عام للمناسبات الوطنية والأعياد الدينية والحملات الانتخابية، بل وحتى الندوات الفكرية والعلمية في الطب والفلسفة والخرافة وعلم الاجتماع.. وأيضا علم الفُرقة!

وهو العلم الضليع فيه أستاذنا، بعد أن استتبّ له الأمر في زمن حكم الإخوان، وللحقيقة، صديقنا بقي وفيا لعادته، وهذه شيمة تحسب له، إذ لم يتنكّر لصداقاته السابقة، على العكس تماما، حافظ عليها محاولا قدر المستطاع الاستفادة منها على طريقته، طبعا.

يأتيك دون أن تدري، يسألك عن الشأن الفني والثقافي، ويستدرجك إلى الحديث، فتخبره دون وعي منك بتحفظاتك، أو بانشغالاتك والأهمّ عنده باهتماماتك ومشاريعك الثقافية أو الفنية أو التلفزيونية القادمة، إن وجدت.

فأما عن تحفظاتك، فيجعلها بسيطة ركيكة، غير ذات بال، فيُطنب في تبسيط المسائل إلى الحدّ الذي يجعلك تلوم فيه مغالاتك وتطرّفك النقدي المبالغ فيهما، وأما عن انشغالاتك فيقاسمك الفكرة ويزيد عليها من خبراته المديدة في أروقة التسكّع الفني، وإن كان الحديث عن اهتماماتك ومشاريعك القادمة، حينها يتحوّل إلى ناصح نصوح وخبير معارف ووسيط علاقات.. يُخرج هواتفه المحمولة التي لا تعدّ، ويتّصل في الحال بأحد معارفه الجُدد، طبعا، طالبا منه بلغة الواثق التدخّل لفائدتك، مع إشارات عديدة برأسه ويده وكلّ حواسه بأن الطرف المقابل على استعداد لخدمتك متى أردت.. وتنتهي المكالمة بالتباريك والتهنئة، دون أن يمنحك موعدا لمقابلة الصديق ولا حتى رقم هاتفه الجوال؟

وتمضي الأيام وصاحبنا يتصل بك بين الفينة والأخرى قائلا واثقا: “الأمور على ما يرام.. مسألة وقت لا غير.. فصديقنا الآن على سفر، ورغم ذلك اتصل بي منذ يومين ليذكّرني بالموضوع”.

نعم، هكذا.. هو من اتصل به ليذكّره بالموضوع رغم انشغالاته التي لا تحصى، أو هذا ما يُخيّل إليك؟!

في النهاية، وبعد مرور أسابيع وأشهر على المحادثة، ينقرض صديقنا فجأة، ولا تعرف له مكانا، وحتما، تجد هاتفه خارج الخدمة.. فتحتار وربما تنهار أسفا على مشروع عمرك الذي ذهب سدى. حينها يتلقّفك صديق قديم، بالضرورة، ويقول لك: “لا تحزن.. فهذا أسلوبهم، تهميش الأفكار والمبادرات والرؤى.. وطبعا في تهميش الثقافة، ثقافة”!.

17