ثقافة جزائرية تصنعها باريس

الأحد 2017/10/15

لعل الجزائر هي البلد الوحيد في العالم العربي والمغاربي المؤقت أدبيا وثقافيا على ساعتين: الساعة الأدبية الفرنسية، والساعة الأدبية المحلية أي الجزائرية.

مع كل دخول أدبي في فرنسا، ومع كل سنة، تدفع دور النشر الفرنسية العتيدة والصاعدة إلى حلبة المطبوعات الأدبية الكثيرة مجموعة من النصوص الروائية وهي في ذلك تراهن على مجموعة من الأسماء التي كثيرا ما تحقق حضورا في القوائم التي تتسابق على أكبر الجوائز الأدبية في فرنسا كالغونكور وفيمنينا وميديسيس والأكاديمية الفرنسية وغيرها.

ومع كل سنة ينتظر القارئ الجزائري على الضفة الجنوبية للمتوسط، في المدن والقرى الجزائرية، بكثير من الاهتمام والفضول ما ستقدمه دور النشر الفرنسية من أسماء وعناوين جزائرية جديدة.

إن شبكات التواصل الاجتماعي، وكذا القنوات التلفزيونية الفرنسية بحصصها الأدبية والثقافية، والتي يتابعها المثقفون في الجزائر بشكل لافت، تقوم بعملية الترويج الإعلامي لهذا العمل الأدبي أو ذاك، حتى قبل وصوله إلى المكتبات أو إعادة نشره في الجزائر.

وقد تعودت بعض دور النشر الجزائرية المتميزة على العمل على إعادة نشر بعض الروايات التي تحظى بجوائز أدبية أو بجدل إعلامي بفرنسا مستفيدة من رأسمال الدعاية للوصول إلى أكبر عدد من القراء الجزائريين، وتأتي دار نشر برزخ التي يشرف عليها الثنائي سفيان حجاج وزوجته سلمى هلال على رأس هذه الدور التي تعيد نشر كثير من الأعمال الأدبية لجزائريين تعرف أعمالهم نجاحا في السوق الفرنسية في الإعلام وفي أرقام المبيعات، ولكنها أيضا كثيرا ما تقترح على دور النشر الفرنسية أسماء ونصوصا روائية جزائرية لنشرها وبالتالي الاستفادة من الترويج الفرنسي لها لاحقا.

وعلى غرار السنوات الماضية يتابع القارئ الجزائري المفرنس خاصة، الدخول الأدبي لهذه السنة بكثير من الاهتمام والانتظار من خلال أسماء شكلت حضورا متميزا في الإعلام، وأيضا في السباق على الجوائز الأدبية الكبيرة في فرنسا كجائزة الغونكور ورنودو وفيمينا وميديسيس وجائزة الأكاديمية الفرنسية وغيرها.

ومن روايات الدخول الأدبي لهذه السنة بفرنسا والتي يتابع القارئ الجزائري النقاشات الأدبية حولها في الإعلام الفرنسي، وبالتالي فهو في حالة انتظار لها، وأذكر رواية “زبور أو المزامير” لكمال داود (وقد صدرت في منشورات برزخ بالجزائر بالتوازي مع صدورها في آكت سود بباريس)، ورواية “خيراتنا” للروائية الشابة كوثر عظيمي، و” الإله، الله، أنا والآخرون” (دراسة) لسليم باشي، ورواية “تملّك” لرشيد بوجدرة، ورواية “طفل البيضة” لكاتب هذه السطور.

أما ساعة الدخول الأدبي الثاني فتتمثل في ما تقذف به دور النشر الجزائرية من عناوين جديدة ويكون هذا الدخول الأدبي متناسبا مع موعد الصالون الدولي للكتاب بالجزائر (ينعقد هذه السنة ما بين 26 أكتوبر و04 نوفمبر)، والذي أصبح موعده ثابتا ما بين الأسبوع الأخير من أكتوبر وبين الأسبوع الأول من نوفمبر.

لقد أصبح صالون الكتاب الدولي بالجزائر الموعد الذي تختاره جميع دور النشر الجزائرية خاصة تلك التي تهتم بنشر الكتاب العربي لتدفع بكتبها إلى السوق وإلى القارئ الذي يتهافت كل سنة على هذا الصالون من جميع المدن الجزائرية، وقد حقق المعرض السنة الماضية أزيد من مليون ونصف مليون زائر.

ولعل ما يميز الدخول الأدبي لهذه السنة هو ظاهرة صدور كثير من الروايات بالعربية وأكثرها لأسماء جديدة، فقد بلغ عدد الروايات الصادرة والمنتظر عرضها بالصالون الدولي للكتاب مئة وعشرين رواية، وقد يزيد هذا العدد، والملاحظ حضور الأسماء النّسوية بشكل يضمن لهذه الأسماء الجديدة أن تدخل السوق الأدبية.

وبقدر ما تكون ظاهرة الكثرة إيجابية لأنها تسمح للأقلام الجديدة بعرض تجاربها في أيام أهم موعد للكتاب وهو الصالون الدولي للكتاب، إلا أن ظاهرة الكثرة هذه قد تكون ناتجة عن استسهال الكتابة الروائية عند البعض. ومع ذلك فأعتقد أن هذه الوفرة في الإنتاج الروائي حتى تكون لها فائدة على الكاتب الجديد وأيضا على فعل القراءة يجب أن ترافقها حركة نقدية جادة من الجامعيين وأيضا من الإعلاميين المهتمين بالشأن الثقافي على قلّتهم، فالمرافقة النقدية هي وحدها القادرة على إنقاذ الساحة الأدبية وذلك بفرز الجيد من الرديء، وبذلك تعمل على تخليص الفضاء الأدبي من الترذيل والاستسهال، وهي في ذلك أيضا تعمل على تعبيد الطريق لجيل جديد من الأقلام الجادة التي بدون هذه المصاحبة النقدية قد تغرق في الكمّ الهائل من الأسماء والعناوين، وحال الكثرة دون الفرز قد يضر بالقراءة أيضا إذ يصاحب الكثرة والاستسهال نفور من القراءة.

دون شك تمثل العشرة أيام التي هي عمر الصالون الدولي للكتاب زمن الكتاب في الجزائر. فبمجرد اختتام الصالون الدولي للكتاب تعود الساحة الأدبية إلى الركود وينتهي الحديث عن النشر وتقفل دور النشر أبوابها وينتهي الحديث عن القراءة وينتهي الحديث عن النشاط الثقافي المرتبط بالكتاب، فباستثناء بعض الدور التي تنشر بالفرنسية وتواصل بين الفينة والأخرى نشاطها في النشر فالبقية تتوقف نهائيا بل بعض هذه الدور لا نسمع بمنشوراتها إلا بعد سنة. وأمام هذا الحال أيضا تسقط في النسيان كثير من الأسماء التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي ضجيجا.

بكثير من الألم نقول إن العمر الذي تعيشه الجزائر مع القراءة والكتاب لا يتعدى عشرة أيام من ثلاثمئة وخمسة وستين يوما، فمتى يتم استغلال الحماس الذي يسبق ويرافق أيام الصالون الدولي للكتاب لتطوير عادة القراءة والاستثمار الاقتصادي الجاد في الكتاب.

روائي وأكاديمي من الجزائر

11