ثقافة ذكر الحسنات

الأربعاء 2014/11/19

الثقافة العربية عموما يشوبها نوع من الخجل القديم الراسخ، فهي تميل إلى التغاضي كثيرا عن السلبيات بعد وفاة أحد المبدعين من كتاب وسينمائيين. فالحديث يتركز بعد وفاته على الإيجابيات، بل وبنوع من المبالغات التي تقترب أحيانا من “الأساطير”.

في حين أن إغلاق صفحة كاملة من تاريخ الإبداع بوفاة المبدع يستدعي إعادة تقييمه وتقويم مسيرته الإبداعية بموضوعية، بحيث يوضع نتاجه في سياق التاريخ الثقافي في موضعه الصحيح، فيستفيد المثقف والقارئ، ويقوم النقد بدوره الحقيقي في دفع مسيرة الوعي وتعميق المفاهيم الثقافية.

الوجه الآخر لما يمكن أن نطلق عليه “ثقافة الاستحياء”، يتمثل في غياب أدب الاعترافات وفن المكاشفة والكتابة الذاتية، كأن يتحدث الكاتب أو الفنان عن نفسه، ويكشف لقارئه ومشاهده عن تلك المواقف والذكريات التي لعبت دورا في حياته، وألقت بظلالها على إبداعه الفني، مهما كانت تبدو من السطح “سلبية” أو “جريئة” و”متجاوزة” لبعض الحدود المتعارف عليها.

فمهمة الأدب والفن والنقد كسر القيود وليس الخضوع لها، وهناك من يعتقدون أن القارئ، لن يستفيد شيئا إذا ما كشف له الكاتب عن جوانب شديدة الخصوصية في حياته، فهم يعتبرونها جوانب “شخصية” لا تهمّ أحدا غيره، في حين أن الرأي الآخر يرى أنها ربما تكون جوهرية في فهم أدبه وفنه وكيف وصل إلى ما وصل إليه من مكانة.

أعتقد أن الأديب أو الفنان ينتمي كلاهما إلى الشخصيات العامة التي من حق الجمهور أن يطلع على مختلف جوانب حياتها، كما أن من وظيفة راوي السير والتراجم الشخصية أن يعرف كل صغيرة وكبيرة عنها، وأن يتوقف أمام ما هو سلبي قبل أن يردّد ما هو إيجابي.

وإلاّ جاء ما يدونه ويسرده، مجرّد “ذكر لحسنات المتوفى” إذا كان قد توفاه الله، أو ترديدا لما هو شائع عنه من دعايات إذا كان لا يزال على قيد الحياة.

وقد هالني في الآونة الأخيرة حجم ما نشر من مبالغات كثيرة حول بعض المبدعين الذين توفاهم الله أخيرا، ومنهم من تدعو مواقفه السياسية وانحيازاته الفكرية إلى التساؤل.

كما أن منهم من لم يستطع أن يكمل مشواره الأول بنفس القوة والبراعة والقدرة على الصمود، كما كان في بدايته، فقدّم الكثير من التنازلات التي أنزلته كثيرا إلى مستوى أقل مما كنا نتخيل، وإن بقيت آلة الدعاية تردّد على مسامعنا الكثير عن شموخه وتفرّده.

ولكن ليس بالدعاية وحدها يكتب تاريخ الفن والأدب في نهاية الأمر!


ناقد سينمائي من مصر

16