ثقافة لا تحتمل النقد حول ظاهرة اختفاء المجلات النقدية

الاثنين 2014/01/06
رياض الريس عاش عديد التجارب الفاشلة في ميدان الإصدارات والنشر

من المعلوم أن قدرة أي ثقافة على التجدد والتطور ترتبط بقدرتها على خلق حركة نقدية مبدعة تواكبها، وتتفاعل معها، تغنيها وتغتني منها في الآن نفسه، عبر ما يمكن أن ينشأ بينهما من حوار خلاق سواء بين اتجاهات النقد المختلفة ومستويات الممارسة النقدية، أو بين النقد والمنجز الثقافي والأدبي السائد. لذلك اعتبر النقد عملية إبداعية تبحث وتسائل وتكشف وتستشرف وتقيم، وليست مجرد ممارسة تعيش على هامش الإبداع والثقافة كما يحلو للبعض أن يصفها.

معلوم أن الحرية هي الشرط الأول لتطور الأدب والثقافة، لكن الحرية وحدها لا تكفي لكي تجدد الثقافة نفسها وتتجاوز ذاتها نحو مراتب أعلى من القيمة الجمالية والإنسانية والإبداعية، دون وجود دور فاعل ونشيط للممارسة النقدية في الحياة الثقافة.

في هذا الإطار يمكن للمتابع للحياة الثقافية العربية أن يلحظ عجز هذه الثقافة عبر عقود عن تأمين شروط نجاح أي دورية نقدية عربية حتى الآن رغم المحاولات المتكررة التي قامت بها دور نشر خاصة بهدف مواكبة حركة النشر العربية، وما يصدر عنها من مؤلفات وكتب فكرية وأدبية وسياسية.

ولعل المفارق والغريب أن بعض تلك المؤسسات حشدت من أجل إنجاح تلك الدوريات خيرة الكتاب والشعراء من العاملين في الصحافة الثقافية العربية إلا أن ذلك لم يشفع لتلك الدوريات لكي تستمر وتواصل دورها النقدي على خلاف ما نجده في الثقافة الغربية التي تلجأ في أغلب الأحيان إلى اختيار ناقد خاص بها يتولى عملية المراجعة النقدية للمؤلفات والكتب الجديدة التي تصدر وتقديمها للقارئ.

في نهاية السبعينات صدرت في سوريا مجلة خاصة بالكتب ونقدها إلا أنها ظلت محدودة الانتشار والتأثير نتيجة ضعف الامكانيات وغياب الرؤية الواضحة لطبيعة ووظيفة المجلة النقدية، وهو أمر طبيعي في بلد مثل سوريا، تهيمن فيه الدولة على جميع مؤسسات العمل الثقافي وليست هناك خبرة أو صحافة حقيقية متخصصة بالشأن الثقافي، لذلك سرعان ما شهدنا اختفاء تلك المجلة من السوق، كما ظهرت فجأة.

ظاهرة اختفاء المجلات النقدية هي جزء من مشكلة أعم وأوسع هي مشكلة الثقافة العربية التي لم تؤسس لقيم ومفاهيم وتقاليد ثقافية

بعد سنوات وهذه المرة من خارج الجغرافية العربية صدرت مجلة "الناقد" اللندنية عن دار "رياض الريس" واستطاعت أن تحقق حضورا مميزا وتأثيرا هاما في الحياة الثقافية العربية سواء من حيث الجدة والجرأة في النقد وتناول القضايا الثقافية والأدبية العربية، أو من حيث تكامل الرؤية ووضوح الأهداف التي تسعى المجلة إلى تحقيقها، ورغم ذلك كان عمر تلك المجلة محدودا، إذ توقفت عن الصدور لأسباب عدة في مقدمتها منع المجلة من دخول بعض البلدان العربية نتيجة الجرأة في تناولها لمؤسسات الحياة الثقافية الرسمية هناك وما تعانيه من فساد وضعف وغياب لاستراتيجيات العمل الثقافي.

لم يتعظ رياض الريس من تجربته الأولى فعاد بعد عودة دار النشر الخاصة به إلى بيروت إلى إصدار مجلة جديدة باسم "نقد" مختصة بالتعريف بما ينشر من كتب جديدة إلى جانب تقديم قراءات ومطالعات نقدية في تلك الكتب الجديدة وفي الشأن الثقافي العربي. وعلى غرار التجربة القديمة سرعان ما أعلنت المجلة عن توقفها عن الصدور.

في الأردن وعن الدار الأهلية للنشر صدرت مجلة أخرى تعنى بنقد ما ينشر من كتب عربية جديدة وتناول قضايا النشر والكتاب إلى جانب تقديم ملفات خاصة بكاتب عربي تستكتب فيه مجموعة من النقاد والكتاب العرب. وعلى غرار ما واجهته المجلات السابقة كان نصيب هذه المجلة التوقف عن الصدور نظرا لغياب الدعم وأزمة التوزيع في الأسواق العربية ومزاجية الرقيب وضعف الإقبال على قراءة هكذا مجلات.

ظاهرة اختفاء المجلات النقدية هي جزء من مشكلة أعم وأوسع هي مشكلة الثقافة العربية التي لم تؤسس لقيم ومفاهيم وتقاليد ثقافية لأن الثقافة التي تهيمن عليها الدولة هي في آخر سلم أولوياتها، والأهم أنها انعكاس لواقع الحال الذي تعيشه هذه الدولة من أزمات مستفحلة وفساد على كل الصعد الاقتصادية والتربوية والاجتماعية.

14