ثقافتان في المركب

الثلاثاء 2017/06/06

توجد أمم وثقافات متدبرة وحصيفة بطبعها. لا تستعجل الأمور وتطبخ أفكارها طبخا جيدا حتى النضج قبل أن تتفوه بها أو تذيعها بين الناس. وقد بلغت الحصافة بالزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ، مثلا، أنه سئل في السبعينات عن أثر الثورة الفرنسية في العالم فقال “ما يزال الوقت مبكرا لإطلاق أحكام”. هذا الكلام بعد قرابة القرنين على الثورة الفرنسية. الزعيم ماو رغم ثوريته وشيوعيته كان صينيا تماما وابنا مخلصا لثقافته المتأنية الصبور.

الحضارات المتأنية بطبيعتها تحترم العمر الطويل. أتذكر وأبتسم كيف أن الصينيين كانوا ينظرون في موضوع من سيخلف دينغ شياوبينغ في قيادة الحزب والبلاد، وكانت أسماء المرشحين تضم جنرالا في الستين من عمره. أعضاء اللجنة المركزية أسقطوا من حسابهم الرجل ذا الستين عاما في الجولة الأولى من عملية الاختيار. والذي يضحكني هو أنهم قالوا في أسباب رفض ترشيحه “إنه لا يتجاوز الستين، يعني ما زال صغيرا وطائشا. والتهور غير محمود”.

العرب كانوا صبورين متدبرين. والحلم صفة حميدة جدا والحليم من أسماء الله الحسنى. لكنهم فقدوا القدرة على الصبر والتأني في ما فقدوه. أذكر مرة أني كنت برفقة صديق عربي في مدينة إنكليزية تبعد عن لندن نحو مئة وسبعين كيلومترا. أردنا العودة إلى لندن ووصلنا محطة القطار لنرى قطارنا مغادرا للتو. كان علينا أن ننتظر ساعة واحدة لنركب القطار الذي يليه. لاحظت أن صديقي راح يقترح اقتراحات كثيرة للتصرف وكان مستعدا لعمل أي شيء سوى الانتظار لساعة واحدة.

المحطة فيها مقاه ومقاعد للجلوس عند أرصفة القطارات وأكشاك تبيع صحفا وشايا وكل شيء. كل هذا لا يجعل صاحبي يتحمل الانتظار ساعة واحدة. هو عربي من شبه جزيرة العرب أجداده بدو متأملون صابرون. البدوي قد ينفق نهاره مطاردا ناقة صغيرة لعوبا. تجري الناقة فيجري وتبطئ الخطو فيبطئ، وكل هذا تحت شمس لاهبة. يقضي سحابة اليوم ولا يتذمر.

في بلادنا التململ اللامعقول هذا حكر على أهل الحضر. أذكر أن عائلة عربية واحدة وعوائل يابانية عدة كانت في سياحة بمركب في نهر الدانوب أمدها ساعتان. رحت أرصد المجموعتين. اليابانيون لم يتحركوا طوال الساعتين. كانوا جالسين محدقين عبر الشبابيك الواسعة “ويشربون” منظر الشاطئ وما فيه من قرى وكنائس ونبات. أما العرب فصعدوا ونزلوا طابقي المركب إثنتي عشرة مرة. واشتروا من البوفيه الصغير في المركب كل ما هو متوفر من مرطبات حارة وباردة وبسكويت وشكولاتة. قطع أطفالهم طول القارب جيئة وذهابا عشرات المرات، فعلوا كل شيء عدا التفرج على شاطئ الدانوب: هدف الرحلة.

24