ثقافتنا رحم العنف الخصب

الثلاثاء 2015/07/07

النزعة التدميرية والعنف المنظم لدى الجماعات التكفيرية المتطرفة، باتا وباء يهز أركان العالم العربي ولا يمكن ردعهما بالمواجهات الأمنية فقط، واعتبارهما جرائم خاصة ببلد دون آخر.

اكتسبت الفصائل الجهادية التكفيرية، كالدولة الإسلامية وغيرها، مهارات عدة في ترسيخ الخوف والقدرة على الانتشار والتكاثر داخل الساحات العربية، بحيث لم يعد ممكنا تفصيل حلول استثنائية لمنطقة دون أخرى، فحدود الدول خسرت حصانتها واستبيحت من قبل كافة الميليشيات المذهبية المتطرفة التي تحولت إلى قوى إقليمية تعبر الحدود لإسقاط نظام أو إنقاذ آخر.

وشهد العالم العربي يقظة الهويات الخائفة والمخيفة، وأصبح الجميع في مواجهة إفناء منظم يشنه من تم التلاعب بهم وتدجينهم وإيهامهم بأن ما يدور هو معركة مقدسة، لا يهم إن كانت ضد روافض مجوس، أم ضد مشركين، أو مرتدين كفرة، أم كانت ضد الظلم، فكلهم كانوا جمهورا يائسا تقودهم دعايات مضللة من كل الجهات.

المظاهر المريعة من الاحتقان الطائفي والمذهبي والتطرف التي تدور رحاها في الدول العربية، والتي يقوم عدد من السياسيين بإرجاع أسبابها إلى التحولات السياسية التي عاشتها الشعوب في انقلابها على الحكام وهذا لا يتجاوز التسويق للاستبداد، وكأنه كتب على الشعوب العربية أن تغض الطرف عن كل ما يمارس بحقها وتعمل جاهدة على إطالة عمر شاهنشاهات أو سلاطين أو حكام، أو تسقط في مستنقع القتل والاقتتال، أو يقوم البعض بتقديم الأعذار لها من خلال استعراض الأزمات المتنوعة القائمة في المجتمعات، كأنها الوسيلة المجدية للرد على الحرمان من الامتيازات السياسية أو الاجتماعية أومن أجل التمسك بها، أو يحمل البعض مسؤوليتها لأنظمة الحكم القائمة في البلدان العربية البعيدة عن معايير الدولة الحديثة والتي عملت على تثبيتها وتشجيعها بما يضمن استمرارها. وهذا، طبعا، لن يخفف نتائجها وتداعياتها بل سيزيدها تعمقا، وفي كل الحالات يتم إهمال حقيقة مفصلية هامة حول وجود حواضن فكرية وثقافية تمدها بأسباب البقاء والتناسل، ولا يمكن إرجاعها إلى سياسة الحكومات العربية، بل هناك عوامل موضوعية جوهرية ناتجة عن مخزوننا الفكري وحالة العقم الثقافي الذي وصل إلى حدود قصوى ومستعصية من الانغلاق وانسداد الأفق، ما شكل أساسا صلبا لكل ما يتم نشره من وصفات العنف المنتجة لمزيد من الدماء.

وإن إعادة تقييم الثقافة العربية، بكافة جوانبها الدينية والقومية وحتى الثورية منها، باتت ضرورة تفرضها الأزمة الشاملة والمركبة والمزمنة، فلا تغيير المجتمعات يصحّ بالعنف الدموي، ولا الحرص على الخصوصيات الوطنية والدينية يبرّر هذه الانقسامات الدموية.

ما تقوم به المنظمات المتطرفة يعتمد على ثقافة مشوهة تقوم على العنف وتحكمها التقاليد والنظم الاجتماعية من مراتب عائلية ودينية واجتماعية واقتصادية وسياسية جامدة، وهي بذلك تقضي على الحرية وتغلق العقل وتتجدد عبر التعصب الطائفي أو العرقي أو الديني، الذي لم يجد له رادعا بعد أن أثبتت المؤسسات السياسية فشلها في معالجة جملة من القضايا الاجتماعية والجماهيرية، بدءا من محو الأمية، إلى الثورة الثقافية، إلى حماية حياة المدنيين.

المسكنات الموضعية لم تعد تنفع العالم العربي المشوب بالكثير من الأزمات المتشابكة المولدة للعنف بكافة تجلياته، وعدم تشخيص المرض قد يميت بالدواء الخاطئ، وهذا يتطلب إعادة النظر في كافة جوانب إنتاجنا الثقافي بدءا من حياتنا اليومية إلى مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية، فهي رحم العنف الخصب، وعلى من يريدون فعلا استئصال ميليشيات العنف المطلق بكافة فصائلها من العالمين الإسلامي والعربي، أن يفككوا جذور العنف بدل الوقوف على الشواهد وترداد نكبتنا على مر العصور.

كاتبة ورسامة سورية

9