ثقب أسود في الروح

الخميس 2014/12/04

كنت أتبادل أطراف الحديث مع الكاتب والمفكر اللبناني الصديق الدكتور خالد زيادة، سفير لبنان في مصر، أثناء زيارة له في مكتبه، عن ظننا السابق بأن مرحلة الديكتاتوريات هي أكثر الفصول سوءا في التاريخ العربي المعاصر، ولم نكن نتصور، إطلاقا، أن بعد هذه المسيرة النضالية الطويلة والمضنية التي انتهت بثورات الربيع العربي والإطاحة بهذه الديكتاتوريات، سوف ندخل في مرحلة أكثر سوءا، وربما انحطاطا وتخلفا وسقوطا وإجراما، وهي هذه المرحلة الداعشية التي يذبح فيها الناس بلا سبب، إلا الرغبة في قتل وقطع رؤوس الأبرياء علنا على شاشات التلفزيون، ويدعي الفاعل أنه هو الأكثر شرفا ونبلا وتقوى وقربا من الله، وليس المجرم الذي يتعبد في محراب الشيطان.

والأنكى من ذلك أن تجد هذه الظواهر الإجرامية الظلامية، حاضنة في بلادنا العربية الإسلامية، تسمح لها بأن تنتشر وتنمو وتستقطب عناصر جديدة من فئات الشباب رجالا ونساء، وتكسب أرضا جديدة بدلا من تراجعها وانحسارها.

وأعطاني هذا الحديث الذي تبادلت فيه الأفكار مع عقل بألمعية وحيوية عقل الدكتور خالد زيادة، مادة لإعمال الفكر ومحاولة البحث في الجذور الكامنة في تربتنا التي أنتجت هذه الظواهر الشاذة التي لم يكن ممكنا أن تولد من فراغ، إنها نبتات سامة غزت حديقة البيت العربي، بل وزواحف سامة أيضا وجدت مكانا لها في هذه الحديقة، كما يحدث دائما في أي حديقة طال إهمالها، ولم يعد أحد يتعهدها بالرعاية والتشذيب والتهذيب حتى تغولت وصارت مسرحا للأفاعي والعقارب، وأرضا خصبة للنباتات السامة والخبيثة، وسأدع للباحثين المولعين بالتفتيش عن الأجندات الأجنبية، مهمة التفتيش عن دورها فيما يصيب بلادنا من مصائب، وهي موجودة وضالعة في خلق هذا المناخ المساعد على إنتاج الزواحف السامة في أرضنا، وقوى الاستعمار القديم التي لم تكن ترضى بفقد قواعدها في الوطن العربي، فعمدت إلى نسج المؤامرات التي تعيد بها إنتاج نفسها بشكل جديد، ولا تتوانى منذ أن خرجت من الباب، عن بذل الجهد للتسلل من الشباك، ساعية، على طول المدى، إلى كسر إرادة الشعوب العربية، ووضع كل العقبات في طريق تقدمها، لكي تبقى تحت السيطرة والابتزاز والهيمنة، خاصة بعد أن أصبحت الأرض العربية موردا لإكسير الحياة الذي لا تدور عجلة الحضارة الغربية إلا به.

ولاشك أن هذه الموارد والإمكانيات تشكل عاملا أساسيا في تكالب تلك القوى على هذه المنطقة من العالم دون غيرها، أما العامل الثاني، فهو ذلك الكيان الذي تم زرعه بعد الحرب العالمية الثانية في جسم الأمة العربية، إسرائيل، واقتضى تأمين وجوده واستقراره، تدبير كل وسائل الإعاقة والضغط، لإبقاء العالم العربي في المرتبة الأسفل والأضعف، مقارنة بهذا الكيان، وفرض حظر على نموه وتقدمه وصعوده في مدارج الحضارة الحديثة.

وبعد هذين العاملين، وهما ضرورة الهيمنة على الطاقة، وضرورة توفير الأمن والحماية لإسرائيل، فإنني سأترك الأمر للباحثين في الإرث الإجرامي لأنظمة الطغيان التي مكن لها المستعمر القديم، لكي تكون البديل لحكمه، والوارث لممارساته، الموكل إليه إبقاء الشعوب في تخلفها وجهلها، مكسورة الإرادة، مغلولة إلى قيودها، تطبق عليها مقولات المستعمر وشعاراته، التي تقول فرق تسد، والتي تعمل على تحريك النعرات العشائرية والمذهبية والمناطقية والجهوية والطائفية، والتعامل مع الشعب بكل ما يمكن من أسلحة قذرة وإجرامية، لكي يسهم ذلك، مع العوامل الأخرى، في البلوغ بهذا المجتمع العربي إلى الدرك الأسفل من السقوط والتخلف والإجرام.

سأترك كل ذلك للباحثين، لأشير هنا، إلى آفة أخرى، استهل الحديث عنها بأن أضرب مثلا بحالة إنسان أعرفه، أصيب بمرض عضال، ودخل المركز الطبي في طرابلس، الذي كان يعاني من إهمال في الصيانة، إلى حد أن نوافذ العنبر الذي أقام فيه، ظلت بلا زجاج، لأنه لا أحد في المستشفى يهتم بإصلاحها، وفي اليوم الثالث أو الرابع من وجوده في المستشفى مات هذا المريض، ولكن ليس من جراء المرض العضال، وإنما بسبب تيار الهواء البارد الذي أصاب جهازه التنفسي بالالتهاب وهو في سن متقدمة فأدى إلى وفاته، وهذا الزجاج المكسور في البيت العربي، كما هو في المركز الطبي الليبي، ليس مسؤولية قوى خارجية حاصرت ليبيا، ومنعت عنها الدواء، وليس مسؤولية حاكم حجب الميزانيات لكي ينضب الدواء من مخازن المستشفيات، وإنما مسؤولية موظف وطبيب وممرض في هذا المستشفى، بل أهبط إلى أدنى مراتب المسؤولية وأقول إن عامل التنظيف نفسه، الموكول إليه تنظيف المكان، كان يمكنه أن يقوم بأي تدبير حتى لو جاء بورق مقوى سد به المناطق التي تصنع تيار الهواء القاتل، إنها قضية تقاعس عن القيام بالواجب، وإهمال، وغياب ذمة وضمير، ونظرة قاصرة للأمور تعلق كل شيء في عنق حاكم شرير، دون ذرة خير نقوم بها لاتقاء هذا الشر بما هو متيسر من أدوات، وبما هو في وسع الفعل الإنساني البسيط.

إنها عودة إلى الحديقة التي لا يمكن، إطلاقا، أن تكون مرتعا للزواحف، ولا أرضا خصبة للنبتات الخبيثة الضارة، إلا إذا طال إهمالها، وأرى أن هذا الإهمال، وهذا الغياب الإجرامي لأي إحساس بالمسؤولية، إنما هو إثم مشترك، لا أحد يستطيع أن يبرئ نفسه منه، على اختلاف مراتبنا ومواقعنا ومستوياتنا التعليمية والثقافية، وتباين هوياتنا وتوجهاتنا السياسية، لأن هذا الاختلاف وهذا التباين، ليس سببا للتخلي عن المسؤولية وإنما حافز للتنافس في القيام بهذه المسؤولية والاجتهاد في خدمة الوطن.

إن هذا الإهمال، كما أراه، وهذا التخلي الفاجع والمؤسف والقاتل عن المسؤولية، هو ما أسميه تفسخا روحيا، لأنه علة تنخر في الجوهر الإنساني لدينا وفي عمق الضمير والوجدان، وأرى هذا التفسخ الروحي، وقبل البحث عن المؤامرات الخارجية والأجندات الدولية، ثقبا أسود في أرواحنا ونفوسنا، صنع لنا ثقبا أسود في عالمنا العربي، تخرج منه كل هذه الكائنات المشوهة الممسوخة، وكل هذه الحشرات الخسيسة الدنيئة، وكل هذه الآفات التي تظهر في شكل سحائب تغطي سماء الوطن العربي وتحجب عنه النور والهواء.


كاتب ليبي

8