ثقب الأوزون السياسي

لا بد من صحوة وقراءة عميقة في الولايات المتحدة تؤسس لعلاقات جديدة مع شعوب الشرق الأوسط، التي خلعت ثوب التبعية والطائفية.
الثلاثاء 2019/11/26
ترامب أصاب العالم بكدمات مؤلمة دون أي مقدمات سياسية

لم ترث إدارة الرئيس دونالد ترامب من السلف باراك أوباما سياسة منهجية رصينة في الشرق الأوسط. ولم يكن الانسحاب من حروبه المستدامة، وآخرها من سوريا، فكرة ابتكرتها الإدارة الحالية، بل كانت نبتة البذرة التي زرعتها الإدارة الديمقراطية السابقة حين انسحب الجيش الأميركي من العراق في ليل، ضاربا بعرض الحائط التناقضات التي خلفتها سنين الحروب المختلفة الهويات هناك.

تجاهل ذلك الانسحاب حجم الفراغ السياسي الذي تركه دون اتخاذ التدابير اللازمة لملئه بما يتماشى مع أمن العراق والمنطقة؛ لذا سارعت إيران بأجسامها السياسية وميليشياتها المسلحة، التي تنامت خلال سنوات ما بعد سقوط صدام حسين، إلى قنص الفرصة والانقضاض على مواقع السلطة السياسية والعسكرية في آن، ودونما منازع.

لقد أودت سياسات أوباما في العراق بالمنطقة بأسرها إلى حافات الرعب، حين تركت التربة خصبة لتصاعد التيارات المتشددة والعنفية، التي بدأت تنبت كالفطر السام في أرض العراق. وقد أدى ذلك اليوم إلى انتفاضة شعبية ضد النفوذ الفارسي “الشيعي” ورفض لتمكّنه من مفاصل القرار في الحكومات المتعاقبة.

وما الفضائح السياسية التي نشرتها نيويورك تايمز مؤخرا لارتباطات رئيسي الوزراء العراقيين السابقين حيدر العبادي ونوري المالكي، إلا دليل موثق على تغوّل الطائفية السياسية التي ابتلي بها العراق منذ العام 2003، متخذة من المذهب الشيعي قناعا لمطامعها، والشيعة العرب منها براء.

غابت الثقة لدى شعوب الشرق الأوسط المنتفضة عن بكرة أبيها، في الشعارات البراقة التي تطلقها واشنطن وتبدو بعناوينها داعمة لحركات تحررها من الاستبداد السياسي والطائفي والاقتصادي

وكشفت الوثائق الاستخبارية الإيرانية المسرّبة حجم وتشعّب مساحات المخطط الإيراني لبسط نفوذ حكم الملالي في طهران على دول المحيط، وهي وثائق أعدّها ورسم خطوطها ضباط من وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيراني خلال العامين 2104 و2015.

وأظهرت كيف تعوّل إيران على وزراء في الحكومات العراقية المتعاقبة لتحقيق مخططها التوسعي. ونقلت عن الرئيس الأسبق أوباما كيف رأى في سياسات نوري المالكي القمعية ضد السنّة العراقيين سببا رئيسا وراء ظهور تنظيم داعش.

وأشارت الوثائق إلى أن المالكي كان الشخصية المفضلة عند حكّام إيران. ومن اللافت ما نشرته الصحيفة عن عمليات تجسس أدارتها إيران في العراق على اجتماعات الأميركيين مع المسؤولين العراقيين، وأن معلومات دقيقة وحساسة عن اللقاءات الثنائية كانت تنقل بتفاصيلها إلى طهران.

الانتفاضات الشعبية والشبابية العارمة التي تحتل الشوارع في أغلب مدن العراق ولبنان، بدأت مطلبية ومعيشية، وما لبثت أن تفتّقت عن الجمر الكامن تحت الرماد والمرض الحقيقي، الذي يعاني منه العراق ولبنان، تماما كما سوريا واليمن، من الاحتلالات الإيرانية التي طالت الحياة العامة ومراكز القرار السياسي وقوى الأمن والشرطة، إلى أن انتفض الشعب المتعب مجدِدا العهد لحريته واستقلاله وهويته العربية التي يحاول المتطرفون في بيت الحكم بإيران استلابها منهم.

وفي مناخ الاحتقان السياسي وغياب المصداقية التي خلّفها النخر الإيراني في منظومة العلاقات الاستراتيجية بين العالم العربي وواشنطن، والتي يعود تاريخها إلى ما يقارب القرن من الزمن، فإن الإدارة الأميركية، في فترتها القادمة التي ستمتد حتى العام 2024، معنيّة برقع الثقب الذي أوجدته إيران في أوزون العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة ودول الشرق الأوسط.

فالخيبات المتعاقبة التي عانت منها شعوب وحكومات المنطقة كانت بسبب غياب استراتيجية أميركية واضحة ومتصلة، يضاف إليها التنصّل في بعض الحالات من المسؤولية التاريخية التي تقع على عاتق الولايات المتحدة كدولة عظمى في مساعدة حلفائها على تحقيق أمنهم واستقرارهم الذي غالبا ما يؤثر على الأمن القومي الأميركي أيضا.

ينبغي أن ترتبط التحالفات التي تقيمها واشنطن مع دول الشرق الأوسط مباشرة بالأمن ودورة الاقتصاد المحلي والعالمي في آن. فإذا فاز الرئيس ترامب بفترة رئاسية ثانية ستكون لديه مساحة أربع سنوات لن يواجه فيها الكثير من المعوقات التي تمنعه من اتخاذ قرارات حاسمة تماشيا مع برنامجه الانتخابي، حيث لا فترة رئاسية جديدة له حسب الدستور الأميركي الذي يقتصر فيه حكم الرئيس على دورتين متتاليتين لا غير.

 ما هو المطلوب من الإدارة الأميركية لتتعامل مع هذا الواقع الشرق أوسطي الجديد في المستقبل القريب؟

من نافل القول إن الخطابات البلاغية الرفيعة، التي اعتمدها أوباما خلال ثماني سنوات، لم تغن يوما من جوع! فهو لم ينفذ منها إلا القليل الذي لا يستوي مع ثقل الكلام الوازن والوعود الضخمة التي كان يعطيها لدول الشرق الأوسط لتمكين أمنها واستقرارها، وللشعوب أيضا في دعم أهداف ثوراتها بتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء قواعد ديمقراطية فاعلة والتأسيس لحكم القانون والتداول السلمي للسلطة في بلادها.

أما الرئيس ترامب فقد لجأ إلى حسابه الشخصي على تويتر للتغريد بكلمات مقتضبة يتّخذ فيها قرارات خطيرة لإدارة الأزمات العالمية، وبما لا يعكس في بعض الحالات توجهات مؤسسات الحكم في واشنطن من الكونغرس ومجلس الشيوخ ومراكز القرار في البنتاغون والخارجية.

لقد أودت سياسات أوباما في العراق بالمنطقة بأسرها إلى حافات الرعب، حين تركت التربة خصبة لتصاعد التيارات المتشددة والعنفية

يصيب ترامب العالم بكدمات مؤلمة تسببها لكمات يوجهها كل صباح عبر تغريدات قصيرة، دون أي مقدمات سياسية، ودون اتخاذ أي إجراءات ضرورية مع صانعي القرار في البيت الأبيض لوضع قواعد تدعم تصريحاته وتضع آليات تنفيذها، هذا في حال كانت التغريدة تحمل استراتيجية واضحة ومحددة للقضايا الدولية أو المحلية التي يطرحها ولم تكن متناقضة مع سابقاتها من التغريدات!

غابت الثقة لدى شعوب الشرق الأوسط المنتفضة عن بكرة أبيها، في الشعارات البراقة التي تطلقها واشنطن وتبدو بعناوينها داعمة لحركات تحررها من الاستبداد السياسي والطائفي والاقتصادي. أما الحكومات الحليفة للولايات المتحدة فتنتابها شكوك عظيمة بإرادة هذا الحليف في الوقوف إلى جانبها لدواع استراتيجية تخدم حالتي الحرب والسلم في آن، وليس لاعتبارات آنية ترى فيها مجرد سوق لتصريف السلاح الأميركي في حالة الحرب، أو مجمعا كبيرا للتسوّق ومصرفا لبضائعها في حالة السلم.

المطلوب الحتمي هو التعامل مع حكومات المنطقة على أساس الندية والتشاركية والرؤية المتوازنة، التي تضع خارطة طريق تحدّد آليات التعاون المرحلي والمستقبلي لما فيه فائدة الطرفين وازدهارهما.  

لا بد من صحوة وقراءة عميقة في الولايات المتحدة تؤسس لعلاقات جديدة مع شعوب الشرق الأوسط، تتناسب مع مرحلة استثنائية ومفصلية تعيشها تلك الشعوب، التي خلعت ثوب التبعية والطائفية، وارتدت وشاح الحرية الذي له لون دمائها وقد دفعتها رخيصة لتحقيق ذاك التغيير العظيم والمستحقّ.

8