ثقة الإدارة الأميركية في نوري المالكي تسيء لمصداقية الولايات المتحدة

الاثنين 2013/10/14
عناصر خلق تضرب عن الطعام احتجاجا على سياسة العراق وإيران ضدها

بغداد – يبدو أنه من الصعب تحديد وصف دقيق للعلاقات الأميركية العراقية في السنوات الأخير. ففي أكثر الأحيان تتردد واشنطن في تحميل بغداد المسؤولية في دعمها المتواصل للرئيس السوري وتنفيذها لغارات قاتلة ضد اللاجئين الإيرانيين في مخيم «أشرف» ومعسكر «الحرية». وهذه الحالة من التردد من شأنها أن تؤدي إلى تدهور مصداقية أميركا وسمعتها، خصوصا في خضم النقاش الوطني والحملة الدولية لتحديد طبيعة الرد المناسب على الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا. وفي إطار التباحث بشأن الوضع السوري أبلغ وزير الخارجية الأميركية جون كيري مؤخرا الكونغرس بأن «أقوال الولايات المتحدة يجب أن تقترن بالأفعال».

وبالعودة إلى سنة 2003، كانت الوعود التي قطعتها الحكومة الأميركية بمثابة ضمان لسكان مخيم أشرف بتوفير الحماية لهم، إلا أنها ظلت حبرا على ورق إلى حد الآن.

في أوائل سنة 2009، وفي خرق واضح لاتفاقية جنيف الرابعة، نقلت واشنطن – على نحو لا يخلو من التهور- مسؤولية حماية معسكر أشرف إلى الحكومة العراقية على الرغم من الأدلة الكبيرة في ذلك الوقت على أن ولاء العراق لطهران قد جعلها أقل استعدادا أو قدرة على توفير الحماية اللازمة وفق ما ينص عليه القانون الدولي. ومنذ تلك الفترة سجلت خمس هجمات قاتلة متعمدة ضد السكان العزل الأعضاء في منظمة مجاهدي خلق، وهي جماعة إيرانية معارضة.

ومثلت كل هجمة من تلك الهجمات اختبارا لمدى استعداد الولايات المتحدة للوفاء بتعهدها والضغط على الحكومة العراقية بشكل جدي. ولكن تصاعد وتيرة العنف ضد هذه المجموعة يظهر بأن الولايات المتحدة قد فشلت في جميع الاختبارات.

عمليات الإعدام

حدث أكثر تلك الهجمات دموية في 1 أيلول – سبتمبر الماضي. واستنادا إلى الصور المروعة ومقاطع الفيديو وروايات الشهود فإن الضحايا قد تعرضوا للقتل، فيما يشبه عمليات الإعدام من قبل فريق الأسلحة والتكتيكات الخاصة (سوات) المدرب تدريبا جيدا وعلى درجة عالية من الانضباط. وتشير جملة التقنيات المستخدمة في تلك العملية إلى أن الهجوم المذكور كان يهدف بالأساس إلى إبادة كل أفراد المجموعة وبشكل وحشي.

وقد اعترفت وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية بالهجوم في غضون ساعات من وقوعه قائلة إن الحكومة العراقية قد «اضطرت إلى مواجهة الإرهابيين المقيمين في قاعدة أشرف». وعقب الهجوم أشاد فيلق حرس الثورة الإسلامية في إيران بأعضاء فريق (سوات) الملثمين لقتلهم 52 من الرجال والنساء التابعين لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية معتبرا إياها بالأهمية الاستراتيجية للمنطقة وتنفيذا لوعد رباني.

وتتوفر دلائل قوية على أن عمليات القتل في كلا المعسكرين قد نفذت بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وبالتنسيق الوثيق مع مكتب الزعيم الايراني الأعلى علي خامنئي. وقد صرح المالكي في أوائل سنة 2012 علنا قائلا «لقد تحملنا منهم «مجاهدي خلق» لفترة طويلة… وسوف نرى ما إذا كانت الأمم المتحدة قادرة (على إعادة توطينهم) أم لا. وإذا لم يكن بوسعها فعل ذلك، فإننا سنتصرف حينها لأننا نحن أصحاب هذه الأرض وبيدنا السلطة».

ولم تتمكن وكالات الأمم المتحدة من إعادة توطين سوى 198 من هؤلاء اللاجئين خلال فترة 12-18 شهرا الماضية.

كما لاحظت شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام في سنة 2003، أن المالكي يرفض الوفاء بالتزامه عندما يتعلق الأمر بسلامة وأمن أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في العراق. ووفقا للقوانين الدولية المقبولة والمعترف بها تكون كل حكومة ملزمة بضمان أمن سكان ذلك البلد. وأضافت قائلة في إحدى المقابلات: «إذا كان المالكي يعتقد أنه في حل من أية مسؤولية فإنه يتعين عليه الاستقالة حينها».

وانتقد بيان منظمة العفو الدولية السلطات العراقية لفشلها في القيام بتحقيقات جدية بخصوص الهجمات السابقة وعلى خلفية عدم تحميلها المسؤولية لأي جهة عن تلك الحوادث وحالة الخوف الدائم التي يعيشها هؤلاء السكان بشأن سلامتهم. واعتبرت رئيسة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية مريم رجوي المجزرة البشعة في مخيم أشرف جريمة ضد الإنسانية. ويواصل أعضاء الكونغرس الأميركي وشخصيات سياسية بارزة، بما في ذلك أعضاء مجلس الوزراء السابق للرئيس الأميركي باراك أوباما وسلفه، الضغط من أجل تحميل المالكي المسؤولية ودعوة الولايات المتحدة للوفاء بوعودها تجاه هؤلاء اللاجئين بشكل فعلي.

"هجمات إرهابية"


في سنة 2011 صرح كيري، الذي كان، حينها، يشغل منصب عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ماساشوستس، بأن الهجوم على معسكر أشرف يعد مجزرة نفذتها القوات العراقية، وفي جوان الماضي اعتبر كيري، بصفته وزيرا للخارجية الأميركية، أن الهجمات بقذائف الهاون على «معسكر الحرية»، الذي نقل إليه أكثر من 3000 لاجئ إيراني من معسكر أشرف في سنة 2012، ترتقي إلى مستوى «الهجمات الإرهابية الشرسة والتي تفتقد إلى كل معنى».

ودعا شخصيا من على أعلى مستوى في الحكومة العراقية إلى القيام بالتحقيق بشأنها وإرسال المساعدات الطبية وضمان سلامة اللاجئين هناك. ولكن هجوم 1 سبتمبر-أيلول، لم تعقبه تدابير محددة وفعالة من جانب الولايات المتحدة لمنع تكرار هجمات مماثلة في المستقبل وتأمين الإفراج الفوري عن سبعة أعضاء من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية كانوا قد اختطفوا من قبل العراقيين وذكرت منظمة العفو الدولية أن الرهائن السبع يواجهون تهديدا وشيكا بالتعذيب والترحيل إلى إيران.

وفي 11 سبتمبر-أيلول تم نقل من تبقى من سكان مخيم أشرف على قيد الحياة وعددهم 42 فردا إلى مخيم الحرية إلا أنه مع الهجمات الخمس التي استهدفت المخيم وما خلفته من قتل واختطاف طال 120 فردا منهم فإن اللاجئين في «معسكر الحرية» ما زالوا دون حماية جدية إضافة إلى ضعف احتمال إعادة توطينهم في مكان آخر ووعود أميركية لم تطبق على أرض الواقع مع الغياب الكلي لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في المخيم. في هذه الأثناء يعكف كل من خامنئي والمالكي، الداعمين الرئيسيين للرئيس السوري بشار الأسد، وبشكل جدي على اتخاذ الالتزام الأميركي الشكلي والسلبي تجاه «مخيم أشرف» و«معسكر الحرية» كإشارة لتنفيذ خطواتهم القادمة.

وتتوقف مصداقية الولايات المتحدة في بناء حملة دولية فعالة ضد الأسد في جزء منها على مدى تحركها الحازم تجاه المالكي وسوء معاملته لأعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في العراق. وقبل بضعة أشهر أعاد كيري التأكيد على التزامات الولايات المتحدة تجاه أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في العراق قائلا: «يجب علينا إيجاد حل دائم وطويل الأمد من شأنه أن يضمن سلامتهم». وأضاف أن الفشل في تحقيق ذلك سيعد تراجعا آخر في ما قطعته الولايات المتحدة على نفسها.

6