ثقة محدودة بين روسيا وإيران

تدفع التطورات في منطقة الشرق الأوسط، في سوريا أساسا، نحو توسعة الهوة بين حليفي الضرورة إيران وروسيا. وبدأت دائرة الفاهمات بين الروس والإيرانيين بشركائها في دعم النظام السوري تضيق أكثر فأكثر مع افتراق طرق مصالح الطرفين في سوريا وفي المنطقة وتصاعد الاستياء الروسي من منح إيران الأولوية لاستقبال الاستثمارات الأوروبية على حساب التعاون الروسي وزيادة تعاونها الدفاعي مع الصين.
الأحد 2017/07/30
شريك متعب

رغم أن روسيا وإيران اتفقتا في موقفيهما تجاه تصويت مجلس النواب الأميركي بشبه إجماع في الـ25 من يوليو على قانون يفرض عقوبات جديدة على كلتيهما (إلى جانب كوريا الشمالية)، وأكدتا أنهما ستتخذان خطوات للرد عليها، إلا أن ذلك ربما لن يكون له تأثير إيجابي كبير على مستوى التوافق الحالي بينهما إزاء الملفات الدولية والإقليمية التي تحظى باهتمام مشترك من جانبهما.

يدخل موقف الدولتين من تصويت النواب الأميركي في إطار ما يمكن تسميته بـ”توافق الضرورة” الذي تفرضه حاجة كل طرف إلى الآخر، وذلك على عكس التكهنات التي ترجّح اتجاههما إلى توسيع نطاق التفاهمات فيما بينهما للرد على تلك الضغوط.

ثمة حدود للثقة ما زالت قائمة بين الطرفين فرضتها التباينات التي بدأت تظهر تدريجيا في التعامل مع التطورات التي تشهدها تلك الملفات، فضلا عن استمرار وجود آراء داخل إيران تدعو إلى عدم التعويل بشكل كامل على روسيا كظهير دولي يستطيع دعم موقف طهران في مواجهة الضغوط التي تتعرض لها من جانب الولايات المتحدة الأميركية وبعض القوى الأخرى.

هذا التردد الإيراني، في قسم منه، مرتبط بحساسية تاريخية إيرانية إزاء روسيا التي كانت حتى القرن التاسع عشر أحد مصادر التهديد الرئيسية لأمن واستقرار إيران. موسكو نفسها باتت ترى أن إيران “شريك متعب” قد يفرض الوصول إلى المزيد من التفاهمات معه حدودا ضيقة للحركة على الساحتين الدولية والإقليمية في ظل الصراعات المتعددة التي تنخرط فيها، فضلا عن الاتهامات التي تواجهها إيران بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.

الاتفاق النووي، الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة 5+1 في الـ14 من يوليو 2015، هو أحد الملفات الرئيسية التي ربما تشهد خلافات متعددة بين موسكو وطهران في المستقبل

خيارات نووية صعبة

اللافت في هذا السياق أن الاتفاق النووي، الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة 5+1 في الـ14 من يوليو 2015، هو أحد الملفات الرئيسية التي ربما تشهد خلافات متعددة بين موسكو وطهران في المستقبل. ورغم أن موسكو ما زالت تدعم هذا الاتفاق الذي شاركت في المفاوضات الخاصة به، باعتبار أنه ساهم في تقليص حدة أزمة البرنامج النووي الإيراني، إلا أن موقفها من التداعيات التي يمكن أن يفرضها توقف العمل بالاتفاق -وهو احتمال أصبح مطروحا في ظل الإجراءات التصعيدية المستمرة من جانب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب- ما زال غامضا.

بدأت إيران فعلا في التلويح بخيار الانسحاب من الاتفاق، وهو ما أشار إليه وزير خارجيتها محمد جواد ظريف في حديثه إلى موقع ناشيونال إنترست في الـ17 من يوليو، عندما قال إن خيار الانسحاب مطروح، ومع ذلك فإن التكلفة على طهران ستكون كبيرة.

الانسحاب من الاتفاق معناه اتجاه إيران من جديد إلى إعادة تطوير برنامجها النووي، بما يتضمن رفع مستوى عمليات تخصيب اليورانيوم إلى 20 بالمئة وتشغيل أجهزة الطرد المركزي الأكثر تطورا والتي قامت بتخزينها بناء على الاتفاق ووقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وغيرها.

ولا تضمن طهران أن تقف روسيا حائلا دون إعادة نقل ملفها النووي إلى مجلس الأمن مرة أخرى تمهيدا لفرض سلسلة جديدة من العقوبات الأممية عليها من خلال استخدام موسكو حق الفيتو، لا سيما وأن روسيا باتت تتعرض لانتقادات كثيرة من جانب قوى دولية وإقليمية عديدة بسبب استخدامها المتكرر للفيتو لمنع صدور قرارات إدانة من مجلس الأمن ضد النظام السوري، وهو ما فرض تداعيات سلبية على صورتها كقوة دولية رئيسية تمتلك مقعدا دائما في مجلس الأمن.

والأهم من ذلك أن روسيا لن تقف صامتة أمام محاولات إيران تطوير برنامجها النووي من جديد، خاصة أن هذا النهج يزيد من احتمال اتجاه طهران إلى تعزيز جهودها للوصول إلى مرحلة امتلاك القنبلة النووية، وهو ما يمثل خطا أحمر لن تسمح موسكو بتجاوزه، نظرا لأن ذلك يخلّ بتوازنات القوى في منطقة قريبة من حدودها، وبالتحديد في منطقتي بحر قزوين والشرق الأوسط، فضلا عن أنه سيهدد بنشوب حرب جديدة في المنطقة قد لا تتوافق مع مصالح وحسابات موسكو الإقليمية.

السباق على واشنطن

علاوة على هذا، فإن موسكو سعت إلى استثمار دعمها لطهران خلال مرحلة المفاوضات مع مجموعة 5+1 من أجل الحصول على عوائد اقتصادية أكبر بعد الوصول للاتفاق من خلال رفع مستوى تعاونها الاقتصادي مع إيران، إلا أن السياسة التي تبنتها حكومة الرئيس حسن روحاني أثارت استياء واضحا من جانب روسيا.

منحت الحكومة الإيرانية -على عكس ما أرادت روسيا- الأولوية لفتح المجال أمام استقطاب استثمارات أجنبية من دول أخرى، وسارعت بالفعل إلى توقيع اتفاقيات نوعية مع بعض الشركات الكبرى في تلك الدول، على غرار إيرباص وبوينغ وتوتال وبيجو.

روسيا اعتبرت التوجه الإيراني نحو واشنطن ربما يؤدي إلى إرباك حساباتها الإقليمية في المنطقة، خاصة في ظل اتجاهها إلى رفع مستوى انخراطها السياسي والعسكري في الصراع السوري

ولم يتطور التعاون الدفاعي بين الدولتين على النحو الذي كانت تتوقعه موسكو، خاصة بعد أن اتجهت طهران إلى توسيع هامش الخيارات المتاح أمامها في هذا الصدد، حيث وقّعت مع الصين اتفاقية للتعاون الدفاعي والعسكري في الـ14 من نوفمبر 2016، تتضمن إجراء مناورات عسكرية مشتركة والتدريب على مكافحة الإرهاب، كما أبدت رغبتها في شراء معدات عسكرية صينية، على غرار المقاتلة تشنغدو جيه-10.

لا ينفصل ذلك عن أزمة الثقة التي فرضها الخلاف الذي تصاعد بين إيران وروسيا حول صفقة صواريخ إس 300 للدفاع الجوي، فمع أن الطرفين نجحا في تسويته خلال النصف الثاني من عام 2016 حيث تسلمت إيران المنظومة التي طلبتها، إلا أنه ترك أثرا سلبيا انعكس في اتجاه إيران إلى تعزيز علاقاتها العسكرية مع قوى دولية أخرى.

والأكثر من ذلك أن حكومة روحاني اتجهت إلى محاولة البناء على الاتفاق النووي من أجل فتح قنوات تواصل مع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لإجراء مزيد من المفاوضات حول الملفات الإقليمية “غير النووية”، على غرار الملف السوري والحرب ضد الإرهاب، وهي تحركات لم تحظ بدعم من جانب موسكو.

مخاوف متصاعدة

اعتبرت روسيا هذا التوجه الإيراني نحو واشنطن ربما يؤدي إلى إرباك حساباتها الإقليمية في المنطقة، خاصة في ظل اتجاهها إلى رفع مستوى انخراطها السياسي والعسكري في الصراع السوري منذ سبتمبر 2015، أي بعد الوصول للاتفاق النووي بشهرين فقط.

اللافت أن إيران -ورغم تأييدها لتدخل موسكو عسكريا في الملف السوري بشكل دعّم موقف نظام بشار الأسد- لم تخف قلقها إزاء تداعياته المستقبلية فيما يتعلق بتحول موسكو إلى طرف رئيسي قادر على المساهمة في تحديد اتجاهات الصراع، وهو متغير سوف يؤثر بلا شك على موقع ونفوذ إيران.

وتزايد هذا القلق الإيراني بعدما اتجهت روسيا إلى رفع مستوى تفاهماتها مع قوى دولية وإقليمية أخرى، على غرار تركيا والولايات المتحدة بعد وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض في الـ20 من يناير 2017.

وبدا ذلك جليا في اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب غربي سوريا الذي تم التوصل إليه برعاية روسية-أميركية وتم إقراره خلال اللقاء الذي جمع الرئيسين الأميركي والروسي على هامش قمة العشرين في هامبورغ الألمانية في الـ7 من يوليو الجاري، حيث لم تكتف إيران بإبداء استيائها تجاه استبعادها من المشاركة في الوصول إليه، بل سارعت إلى تأكيد أنها ليست معنية بتداعياته.

أكثر ما يقلق طهران يكمن في أن تعويل موسكو على تفاهماتها مع واشنطن قد يكون مقدمة لمواجهة الجهود الحثيثة التي تبذلها طهران لتثبيت نفوذها على الأرض السورية، حيث لم تخف إدارة ترامب رغبتها في توسيع نطاق الخلافات بين طهران وموسكو، ويبدو أن ذلك كان أحد أهداف اتجاهها إلى رفع مستوى تنسيقها مع روسيا في سوريا.

وكان لافتا أن موسكو لم تبد أيّ اعتراض تجاه الضربات العسكرية التي وجهتها واشنطن ضد بعض الأرتال التابعة للميليشيات الموالية لإيران في سوريا، في إشارة منها إلى أنها غير راضية عن التحركات التي تقوم بها إيران وحلفاؤها على الأرض. وتكمن المفارقة في أن سعى روسيا وإيران، في فترات مختلفة، للانفتاح على الولايات المتحدة لم يجد ما يستند إليه على الأرض، وهو ما كشفت عنه العقوبات الأخيرة التي جمعت موسكو وطهران في سلة واحدة.

من هنا، ربما يمكن القول إن “توافق الضرورة” بين طهران وموسكو له حدود على الأرض بدأت تتكشف تدريجيا مع ظهور الخلافات بين الطرفين حول التعامل مع بعض الملفات التي تحظى باهتمام مشترك من جانبهما.

رئيس تحرير دورية مختارات إيرانية

4