ثقل الماضي وندوب الوطن في "طابق 99" لجنى الحسن

الأحد 2014/12/07
ما بين قصة حب وشخصيات أضاعت أحلامها تخطو الرواية بين مكانين وعالمين

هل للحرب وقت تنتهي فيه بانتهاء آخر طلقة رَصَاص، وتزول آثارها أم أن مآسي الحرب وويلاتها لا ينتهيان ما أن يخمد لهيبها؟ هل الحرب خيانة؟ هل ثمّة إدانة لأطراف معينة في الحرب أم أن الجميع مدانون؟ هل آلام الحرب واحدة، أم أنَّ ألم مجد الفلسطيني يختلف عن ألم ماريان الأميركيّة؟ ثمّ هل الحبُّ يُرمِّم ما أفسدته الحروب؟! حول هذه الأسئلة وإجاباتها المُلغزة تنسج اللبنانيَّة جنى الحسن أحداث مرويتها الجديدة «طابق 99» الصادرة عن منشورات ضفاف والاختلاف 2014، متخدِّة من وقائع الحرب اللبنانية وأهوالها وما أحدثته من انتكاسات على مستوى الأجساد والأرواح وقبلها الأوطان التي انشرخت وصارت تتأتى عبر الاستدعاءات والذكريات، وفي كلها صور لأوطان مجروحة، مرتكزًا وخلفية لروايتها. هنا في روايتها الجديدة، تغادر عالمها الذي شكّلت منه روايتها الأولى «أنا هي والأخريات» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر 2012، لتقف هذه المرة أمام مواجهات الذّات مع الماضي الذي لا يفارق أشخاصه حتى ولو غادروا أماكنه. تقدِّم لنا الكاتبة عبر شخوص رواياتها المنفصلة ذواتهم والحائرة بين الهُنا والهناك، عالَمًا مؤلمًا، كما توسِّع من دائرة الحرب إلى حرب الخليج الثانية، وما أحدثته من شروخ في الشخصية الأميركية؛ فيصبح مفهوم الحرب لديها وسيلة لتعرية الأنظمة السياسية، وَمَنْ اشتركَ فيها، فتكشف الكاتبة عن الأدوارِ الخفيّةِ التي قامتْ بها الكتائب اللبنانية والعشائر في الحرب، وفي تسهيل اقتحام مخيم صبرا وشاتيلا، أو تكشف عن عوار الديموقراطية الكاذب كما أظهرت حرب قوات التحالف ضد العراق.


نيويورك نيويورك


تبدأ الرواية وتنتهي بهيلدا عبر مكانيْن مختلفيْن؛ الأوّل وهي في نيويورك يحكي الراوي مجد عن علاقته بها، وكيف أنها كانت سببًا في نسيانه أشياء كثيرة ليس منها الندبة التي تمتد من عينه حتى أسفل خده الأيسر، الأهم أنه نسى أسواق صبرا وشاتيلا ورائحة عرق المارة، والمنازل الضيقة، يلتقيان وهي متخذة قرار الرحيل والعودة إلى لبنان خاصة بعد صراعها المستمر بين الهنا والهناك، فهي تريد أن تواجه المكان لتتمكن من أن تفهم أين تقف الآن، فهي «تشعر بالغربة وإن وطأة الزمن الذي أمضته بعيدة عن ذاكرتها تبدو شديدة ومؤلمة»، والثاني في لبنان حيث عودتها إلى قريتها في جبل لبنان، وأسئلتها التي تنبش بها الماضي لإعادة اكتشاف تفاصيل ماضيها، إلا أنها تفجع من الحقيقة الصادمة لها فتقرر بعد لحظة التعرية العودة أشبه بالمهزومة إلى نيويورك مرة ثانية.

جاءت الرواية في أربعة فصول اعتمد كلّ فصل على التبويب الداخلي الذي جاء بين عناوين جنوب لبنان 82، ونيويورك 2000، مال السرد في كثير من جوانبه إلى التساؤلات التي كانت أشبه بمحاكمات للآخرين

لا تغدو شخصية هيلدا التي التقاها مجد مصادفة في أروقة البناء الذي يعمل فيه، مجرد شخصية يلتقيها وبعد التعرف عليها، يحبّها رغم الحذر من كونها مسيحية ومن أسرة أرستقراطية تنتمي إلى الكتائب في جنوب لبنان فقط، بل هي الخيط أو الحبل الذي يعود عبره الراوي إلى فلسطين وإلى المخيم وإلى الوجع الذي مازال أثره على وجهه وفي ساقه، بعد اقتحام المخيم، ليقدم لنا صورة إنسان ما بعد الحرب المهزوم، وهي الصورة التي تنعكس على الأب أيّما انعكاس، الأب المعلّم الذي كانت زوجته في القرية تفتخر بأنها زوجة الأستاذ، ثمّ المناضل الذي فشل في أن يُكمل الطريق، ثم بائع الورد في أميركا والمهزوم غير القابل بالتصديق للهزيمة المتمثلة في عدم لقاء زوجته مرة ثانية وجنينها.


ضياع الأحلام


ما بين قصّة حبّ هيلدا ومجد، شخصيات كثيرة، وحكايات عن شخصيات ضاعت أحلامها وما بين الجبل في جنوب لبنان 1982، ونيويورك 2000، ثمّة أحداث مُهمِّة لا تقلُّ عمّا حدث في صبرا وشاتيلا، فأحداث الرِّواية رغم أنها تبدأ في نيويورك على لسان الراوي الأنا مجد الذي يتحول في كثير من الأحيان إلى راوٍ غائب، يسمح لشخصياته بأن تروي عن نفسها، كما فعل مع إيفا المكسيكية، ليطلعنا على ماضيها وقصة هروبها قبل أن تحدث الأزمة بينها وبين محسن الذي صار مايك، وماريان وعلاقتها بجون، وبالمثل يعطي مساحة كبيرة لهيلدا خاصة بعد عودتها وإن كان ثمة حضور للمروي له الذي هو مجد فيتداخل خطاب الراوي الأنا مع خطاب المرويّ له، لتحلّ التساؤلات المعبرة عن الحيرة، فتحكي عن المجهول والغامض الذي أصرت على أن تسافر للبحث عنه، مع رفض مجد هذه الرحلة، إلا أنها تعود ولكن عودتها هذه المرة أذابت خيط العاطفة الذي كان دفعها إلى الذهاب. تتقاطع شخصية مجد الذي هرب به أبوه مع شخصية ماريان التي راح زوجها ضحية للحرب الأميركية في العراق، لكل منهما ندوبه الخاصة فمجد ما تركته في ساقه ووجه، حتى أنه رفض كافة المحاولات لإجراء عمليات تجميل، وظلّ يحمل صليبه بأن مرضه هو الذي كان سببا في وفات والدته عندما حمله أبوه إلى المستشفى وتركاه هي وجنينه، مات الأب على أمل أنها ستدخل عليه بطفلهما الذي كان جنينا، أما ماريان فرفضت فكرة أن زوجها مات، وما إن أعادت لها السلطة رفاته فشلت في أن تفعل أي شيء، فلم تدخل في علاقة ولم تقترب من سريره، الفارق بين ماريان ومجد أن ماريان جاء لها زوجها حتى ولو كان رفاتًا واستطاعت أن تقيم جنازة وتلقي خطاب الوداع أما مجد وأبواه ففشلا في العثور على جثمان الأم.

صور لأوطان مجروحة


لعنة الحرب


مآسي الشخصيات متنوِّعة بعضها يعود إلى الحرب بشكل مباشر كما في شخصية الأب ومجد وماريان، ومحسن الذي ترعرع في شوارع بيروت على أصوات البنادق وأصوات المدافع لكن بعد ما حدث لأبيه من العصابات فرَّ إلى أميركا وغيّر اسمه إلى مايك وهو المسلم، وقد تكون في كثير من الأحيان الأسرة سببًا للمأساة على نحو حكاية جورجيو الذي أصابه والده بالجنون انتقامًا من أمّه التي هربت مع عشيقها، أو على نحو حكاية أخت هيلدا نفسها كيف أن والدها أضاعها بطريق غير مباشر وكأن لعنة الحرب ارتدّت عليه، بالمثل شخصية إيفا المكسيكية، التي اغتصبها زوج أمها، وأجهضت نفسها، وما إن ذهبت لأبيها لم تجد التعاطف أو حتى أجاب عليها، فتنقلت في مهن مختلفة حتى حددت هدفها في اصطياد الرجال إلى أن تصل إلى محسن أو مايك، وربما هي الشخصية الوحيدة التي قاومت الماضي ولم تُفْرِط في استعذابه والتلذّذ بآلامه، فعلى العكس طرحت الماضي جانبًا وفكّرت في حياتها، والدليل بعد أن رأت خيانة محسن لها على السرير لم تتباك بل قاومت وأعطت له درسًا جعلته يطاردها في كل مكان. وهناك التحولات التي أحدثتها الحرب كما في حكاية أبو إيليا وتحوله إلى الإسلام حتى صار قناصًا، وكذلك والد محسن وحكاية من جاؤوا لسرقته . وأيضًا الصديق الثاني عادل الذي اختل بعد الحرب. مثلما تختلف الشخصيات في مآسيها تختلف في رضاها عن أحوالها، والاختلاف هو ما يحقق التوازن داخل العمل بين الشخصيات وعلى خلاف شخصية الأخت ماتيلدا التي كانت تدين الجميع الذين أوصلوها إلى هذه الحالة كان جيورجيو غير مبالٍ بكمّ الألم الذي حمله في داخله أو حتى ناقمًا على من دفعه إلى الجنون بل كان جميلاً «كان متصالحًا مع هذه الحالة البدائية من الحياة، العيش بلا تصنع».

جاءت الرواية في أربعة فصول اعتمد كلّ فصل على التبويب الداخلي الذي جاء بين عناوين جنوب لبنان 82، ونيويورك 2000، مال السرد في كثير من جوانبه إلى التساؤلات التي كانت أشبه بمحاكمات للآخرين، تساؤلات من قبل جميع الشخصيات عن الحرب وجدواها، وعن الماضي وهل يمكن أن ينسى، وعن الألم، وعن الحب، وأيضًا تساؤلات جارحة عن أختها ماتيلدا وما أصابها بفعل الأب، وعن عمها وعجزه ومشاكله النفسية، وأسباب انتحاره، التي أراد الأب أن يغطي على الحقيقة بكسبه بطولة وهمية، فادَّعى أنه قتل ثلاثة من الفلسطينيين الذين هاجموه. تساؤلات تجعل العم جورج يصيح فيهما وهما في القبو، وهو يعرض منحوتاته كشاهد على جرائمهم «لماذا عدتِ إلى هنا هيلدا؟» وهو نفس السؤال الذي تطرحه على نفسها، وإن كانت هذه المرة لا تحتاج إلى جواب من أحد بقدر ما تحتاج إلى تأمّل في الآخرين وما حولها ونظرات الارتياب التي تلاحقهم من فعل يحتاج منهم إلى طقس الندامة فتقول محدثة نفسها «لماذا عدتُ؟ سألت نفسي مجددًا وأنا أُحدِّق في المنحوتات. كنت أحاول أن أقاوم الدمع في عيني وأن أستجمع شيئًا من شجاعتي وقلت له: عُدت لهذا تحديدًا لأني إن لم أحدق في كل هذا النقصان… لن أكتمل يومًا».

اعتمد السّرد على الراوي الأنا، الذي يعود على مجد، على المراوحة بين الزمنين الماضي والحاضر، وفي بعضها أوغل إلى الماضي إلى جذور المأساة


الغنائي والشعري


وقد اعتمد السّرد على الراوي الأنا، الذي يعود على مجد، على المراوحة بين الزمنين الماضي والحاضر، وفي بعضها أوغل إلى الماضي إلى جذور المأساة التي بدأت قبل قدوم اليهود أثناء الانتداب البريطاني عبر حكاية الأب التي تعود إلى ما قبل النكبة إلى عام 1939 يوم أن أحرق الجنود البريطانيون القرى بسبب مقتل اثنين من جنودهما، كما يميل في بعض من أجزائه إلى التسجيل، وهو يرصد معاناة الفلسطينيين في المهجر والذل الذي ذاقوه ممن يفترض أنهم عرب مثلهم، حتى أنه يخاله يفوق حقد الإسرائيليين، ويرصد لحالة الكراهية التي كانت تبث للفلسطينيين وأنهم السبب في الحرب والخراب الذي طال لبنان، أو الخوف من المصير البائس ورفض إنجاب الأبناء، أو من قبيل أن تولد في ملجأ أو مخيم وترى الجميع ينظر إليك بشفقة أو اشمئزاز، وأن تعتبرك الأغلبية عبئا وأن تنتظر المساعدات الدولية وهبات الأونروا. ويسيطر السرد الاستعادي عبر الشخصيات التي تروي المأساة باعتبارها وسيطًا على نحو ما يرويه الجار أبو حسَّان عن صور الحرب المُؤْلمة وحالة الانتقام البشع التي قامت بها الميليشيات. وقد يقوم الراوي الغائب بالسرد في كثير من الأحيان كما يفعل عن هيلدا وعن إيفا وعن ماريان وعن مايك، وفي بعض الأحيان يترك لهم السرد بالأنا كنوع من البوح، وقد يتداخل الأنا مع الأنت، وفي بعضها نجد خطاب الأنا لنفسها. كل هذا جاء عبر لغة تميل إلى الغنائية في عرضها للمآسي وشعرية في إبراز جوانب الحبِّ بين مجد وهيلدا، وقاسية في خطابات هيلدا مع عمها وكأنّها أشبه بالمحاكمات. وبهذا تعمد المؤلفة إلى بناء عالم مُتعِّدد الأصوات كما هو عند ميخائيل باختين، من خلال تعددية الرواة والمُخاطبين، وإيجاد تداخلات زمانية ومكانية.

تنتهي الرِّواية بتسليم هيلدا ـوأيضًاـ أهلها بضرورة العودة إلى نيويورك وإلى حبيبها الذي يسعى لتخيّل وَقْع كَوْنه مُسلمًا على أمها، وبالمقابل وَقْع أنّ أهلها ينتمون إلى الكتائب على أبيه، ومع هذا يواصل طريقه في حُبِّها، في إشارة لمغزى رسالة تريد أن توصلها الرواية، مفادها أن هذا الجيل الذي كان ضحيّة للحرب، وهذه العداوات غير المبرّرة آثر أن ينبذَ الحرب والعداوات، وأنه يختبر الحبَّ كبديلٍ عن الأحقاد والعداوات القديمة، نعم نأمل في ذلك لكن نتساءل معها: هل تستطيع أن تحدق في أعين الماضي وتقول بسلام «هذا أمر مضى» قد أكون غير محقٍّ والشك ينتابني خاصّة بعدما صار الوطن لدى هيلدا «أشبه بمقبرة جماعية طمرها الجميع وبنوا بيوتهم فوقها» فكيف تقول هذا أمر مَضى وتمضي أو نمضي في سلام؟!

12