ثقوب الفوضى السوداء

الثلاثاء 2015/04/14

صار الإرهاب سمة أساسية من سمات الواقع الذي نتحرك في سياقه اليوم، وارتسمت حالات السقوط في مستنقع الفوضى التي يعيشها العالم، ومن ضمنه عالمنا العربي الذي بدا أكثر تفتتا أمام تداعياتها التي لن تقف عند حدود الحاضر.

إنها فوضى الصراعات المفتوحة على كل الاحتمالات بما تشكله من خطر حقيقي يهدد الوجود الحضاري والإنساني لدول هذه المنطقة التي طالتها الانشطارات الداخلية، هذا الخطر الذي وضعت مقدماته أميركا الدولة العظمى بغية إطلاق مشروعها في إعادة صياغة النظام العالمي الذي نشهد اليوم إحدى أعنف حلقاته وأكثرها مأساوية، فما يتم إدارته الآن من حروب يستند على أسس ثقافية وعقائدية تم تسويقها على مدى العقود الأخيرة من صراع الحضارات وتفتيت العالم، إلى ما تلاها من الشرق الأوسط الكبير إلى الشرق الأوسط الجديد، وما تم حشره بينهما من مكافحة الإرهاب وإشاعة الديمقراطية، إلى مفهوم الفوضى الخلّاقة الذي يبدو كخلاصة لأهم الدروس التي تعلمتها الولايات المتحدة عبر تاريخها الفتيّ، وهو خلق الثنائيات المتضادة كالخير والشر، الاستقرار وعدم الاستقرار، الحرب والسلم، الديمقراطية والقمع، احترام حقوق الإنسان والدوس عليها، وغيرها من ثنائيات تصب في برنامج الإدارة الأميركية للنظام العالمي الجديد، والتي تريد من خلالها أن تطبع العالم بطابعها من أجل سهولة التحكم وضمان النتائج.

داخل هذا التوصيف فإن كل الدول مؤهلة لأن يطالها الخراب أو ارتداداته، والعالم العربي يشكل البؤرة الأنسب في تثبيت دعائم الحرب طويلة الأمد، فهذه المنطقة من العالم مفتوحة للاستثمار فيها بالاعتماد على ظاهرة توتر العلاقة بين الدين والدولة، وتحريك الانشطارات العمودية الناتجة عن التنوع والتناقضات الشديدة داخل العالم الإسلامي، وتدعيم الإرهاب، الذي كان أبرز وجوهه الإسلام السياسي، وإدارة صراع لا يقوم بين طرفين محددين، إنما يعتمد على عدم أمن جميع الأطراف لخلق “البيئة العالمية المناهضة للإرهاب” التي يندرج ضمنها الاعتراف بالأبعاد الفكرية والثقافية والدينية في مواجهة تهديد الإرهاب، والاعتماد على سياسة التغيير كوسيلة لتحقيق الاستقرار الديناميكي، وما تضمنه فصول الفوضى السوداء التي ساهمت في تعزيزها المنظومة العربية بأكملها من أنظمة حكم وإعلام وغياب الثقافة الجامعة، وصولا إلى الميليشيات والتنظيمات الدينية السياسية.

هنا لا نقصد فقط التنظيمات الجهادية كالقاعدة والدولة الإسلامية التي غطت مساحات القتل المطلق تاريخ وجودها القصير، إنما الفصائل “الشيعية” كحزب الله في لبنان الذي ألّب مواجع التاريخ “السني” في حمله مفاتيح باب المقدس أثناء حرب 2006، وحركة أنصار الله في اليمن التي تتحرك بمنطق الثورة الإسلامية الإيرانية، وغيرهما من الأسماء المستندة إلى إطار مرجعي ديني يصب الزيت فوق النار الخامدة، والتي تمددت أكثر نتيجة دعم إيران الراغبة في استعادة تاريخها التليد عبر تفوق نووي لاقى مؤخرا استرخاء أميركيا، وعبر إدارتها لجبهات الحريق في حروبها بالوكالة، فالتيارات الدينية العربية والإسلامية “سنية أو شيعية” ساهمت بشكل فعال في إنجاح السياسة الأميركية، وتحولت إلى جزء تلقائي مهم في استراتيجية الفوضى.

نجحت الولايات المتحدة في نشر بؤر الفوضى المتشابكة التي هزت أركان الدول العربية كافة، حتى من لم تدخل منها معترك الفوضى ولم يطلها الإرهاب بشكل مباشر، وتم توظيف الانتماء الطائفي والمذهبي بشكل ناجح لخلق حروب هامشية مع التيارات الدينية والطائفية، لن تكون أكثر من عبوات ناسفة تؤدي إلى دمار يتنقّل دون وعي إذا لم يواجه بعمل عربي جاد لخلق حالة ثقافية جديدة، تبحث داخل شعاب الانتماءات الدينية المتنوعة عن قواسم ثقافية وفكرية مشتركة تجمع شتات الشظايا وتمنع الانهيار المتدرج نحو الهاوية.

داخل فضاء الفوضى الواسع الذي تتصدع أمامه الدول، لم يعد ممكنا الابتعاد عن ثقوبه السوداء والنأي بالنفس، إنما يجب العمل على خلق رادع ثقافي مضاد يتصدى لإستراتيجية التدمير ويردم واقع الفوضى المستجد.

كاتبة ورسامة سورية

8