ثكنة في شارعنا

الأحد 2017/03/05

تقول الأسطورة في تونس إبان حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إنك إذا أصغيت جيدا أثناء مرورك من شارع الحبيب بورقيبة أمام وزارة الداخلية تحديدا فستسمع أصوات المعذبين في أقبية الوزارة تحت الشارع.

أمعنت السمع مرارا وتكرارا فلم أسمع إلا زقزقة العصافير التي تملأ الأرجاء.

وفي تونس أيضا، تؤكد أسطورة أخرى أن النظام لو أراد أرنبا معينا بمواصفات بعينها يسكن جبلا من الجبال لأحضر حالا، دلالة على سطوة النظام وقوته في أذهان التونسيين.

بعد ثورة 11 يناير 2011 شاهدت بحماس مثلما شاهد الكثيرون من التونسيين غيري أطفالا صغارا يضعون حدا للأسطورة، لقد توجهوا إلى تلك الأقبية لرسم أزهار وأنهار وشموس على جدران الزنزانات.. لن تسمع أصوات المعذبين ثانية ولو توقفت العصافير عن الزقزقة.

إن شارع الحبيب بورقيبة يعرف برمزيته في تونس فبعيدا عن كونه شريان حياة العاصمة الذي ينبض حياة هو شارع الحرية والثورة فبن علي لم يهرب إلا بعد أن امتلأ الشارع بأمواج من التونسيين الذين حاصروا وزارة الداخلية، متحدين الاستبداد والنار غير آبهين بالموت.

غير أن التونسيون الذين أسقطوا ثكنة لم يظنوا أبدا أن ثكنة ثانية ستظهرر على بعد أمتار قليلة.

في منتصف الشارع أمام تمثال ابن خلدون الذي ينتصب مزهوّا بجبته التونسية التقليدية يحمل في يمينه كتابا يوجد معرض للكتب تحت شعار “أحفاد ابن خلدون يقرؤون ويبدعون".

لكن في تناقض صارخ تنتصب على بعد أمتار قليلة ثكنة تحيلك مباشرة إلى حالة حرب.

هذه الثكنة ما هي إلا سفارة فرنسا في تونس أمامها جنود بكامل زيهم العسكري مدججين بالسلاح بل زد على ذلك وجود أكياس رمال يختبئون وراءها.

أما الأسلاك الشائكة التي تحيط السفارة من كل جانب فهي تجبرك على تقاسم الطريق مع السيارات.

إن سفارة فرنسا يا سادة تحتل أفضل موقع في تونس بل من سخرية القدر أنها تقع في ما يسمّى ساحة الاستقلال بشارع الحبيب بورقيبة محاطة بشارع شارل ديغول وشارع باريس ونهج مرسيليا وشارع فرنسا.

ففي أي مكان في العالم تنصّب دولة حرة ومستقلة سفارة محتلها في ساحة الاستقلال.

في تونس كثيرة هي أعيادنا التي تذكرنا باستقلالنا “الوهمي” عيد الاستقلال وعيد جلاء آخر جندي فرنسي عن التراب التونسي وبأحداث 8 فبراير التي قصفت فيها فرنسا محافظة الكاف بعد الاستقلال بتعلة إيواء مجاهدين جزائريين وغيرها الكثير. لكن ما نفع الأعياد والكرامة إذا كانت بلادي لا تزال مستعمرة وفقط أعطيت اسم استقلال للكذب على شعبها. نريد علاقة ندية لا نريد ثكنة فرنسية في شارعنا.

24