ثلاثة أعداء للثقافة العربية

المثقفون الانتهازيون يشكلون الفيلق الثالث لأعداء الثقافة والفكر الحر. وقد تعوّد هؤلاء على تغيير مواقفهم وأفكارهم بحسب ما تقتضيه الظروف ومصالحهم الخاصة.
الثلاثاء 2019/05/28
المثقف المعزول يتهيأ لحرب مصيرية (لوحة: إدوارد شهدة)

في النّصف الأول من القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، عرف العرب ما اصطلح على تسميته بـ”حركة النهضة” التي طالت مجالات متعدّدة سياسيّة ودينيّة وثقافيّة واجتماعيّة. وكان السؤال المحوري الذي شغل زعماء وقادة الحركة المذكورة في بلاد المشرق كما في بلاد المغرب، يتّصل بالكيفيّة التي بواسطتها يتمكّن العرب من الخلاص من كبوتهم الحضاريّة، والنهوض بأوطانهم لتلتحق بالأمم المتقدّمة وتصدّ المخاطر المحْدقة بها.

وعلينا ألاّ ننكر أن حركة النهضة ساهمت مساهمة فعّالة في إحداث اليقظة المرجوّة، والمبتغاة من قبل مجتمعات عربيّة عاشت قرونا من الرّكود والانحطاط، سامحة للنخب المثقّفة بالاطّلاع على منجزات الحضارة الغربيّة في مجالات مختلفة ومتعدّدة.

وفي تلك المرحلة الحبلى بالأحلام والآمال، كانت أهداف أهل السياسة، وأهل الثقافة متقاربة، بل مشتركة. لذا لم تنشأ بينهم صراعات، بل توطّدت علاقاتهم، وتدعّم تضامنهم. وإذا ما كان أهل السياسة قد صرفوا جهودهم لبعث أحزاب وتنظيمات للنهوض بمجتمعاتهم، ولمواجهة المخطّطات الاستعماريّة التي باتت آنذاك واضحة للعيان، فإنّ أهل الثقافة والفكر، أو “أهل القلم” كما سماهم ابن خلدون، ارتأوا أن الشجاعة الفكريّة هي الوسيلة الأمثل لإحداث النهضة المرجوّة، وبعث حركة نقديّة تتصدّى بحزم وقوّة للتزمّت الديني الذي كان يكبّل مجتمعاتهم، معمّقا جهلها بالتحوّلات التاريخيّة التي كان يشهدها العالم.

الحركات الأصوليّة هي التي تمثّل راهنا العدو الأشد شراسة للثقافة، وللفكر الحر المناهض لكل أشكال التسلط والانغلاق

غير أن ذلك “الزّمن الذّهبي” لم يدم طويلا. فعقب الانقلابات العسكريّة التي حدثت في مصر وسوريا والعراق، ثمّ في ليبيا في ما بعد، وجميعها دبّرت بـ”اسم الشعب” ومن “أجل الشّعب”، شهد العالم العربي قطيعة فظيعة وخطيرة بين أصحاب السلطة وأصحاب الثقافة والفكر. تمّ الأمر بشكل مخيف ومباغت.

خلال العقود التي سبقت انتفاضات ما سمّي بـ”الربيع العربي”، ازدادت هوّة القطيعة بين أهل السلطة وأهل الثقافة والفكر اتساعا وعمقا. والسبب الأساسي في ذلك هو أن القادة السياسيّين في مختلف أنحاء العالم العربي، ظلّوا مصرّين على أن سياسة القوّة والهراوة الغليظة هي وحدها الضّامنة لبقائهم وتوطيد نفوذهم. وقد ازدادت الأوضاع تعفنا بسبب بروز الحركات الأصوليّة التي أصبحت تهيمن على المشهد السياسي والأيديولوجي.

ورغم المجازر والجرائم التي ارتكبتها باسم الدين، فإنّ هذه الحركات تمكّنت من التّحكّم في الوجدان الشعبي من خلال القنوات التلفزيونيّة والمواعظ الدينيّة والكتب الصّفراء. واعتمادا على عمليّات “غسل الدّماغ” التي برعت فيها إلى حدّ كبير، تغلغلت الحركات الأصوليّة المتطرّفة في أوساط الشباب المتعلم مُعيدة الاعتبار للشعوذة والدجل وثقافة الموت.

ولم تكن الحركات الأصولية تستهدف الأنظمة القائمة فقط، بل كانت تستهدف أيضا النخب المستنيرة. وهذا ما يفسّر تكفيرها لرموزها، واستباحة دمائهم، والتحريض على قتلهم. والهدف من ذلك هو تحقيق الفراغ الثقافي والفكري الذي يفتح الطريق واسعا أمامها لكي تبسط سيطرتها ونفوذها على المستوى السياسي والأيديولوجي والديني.

وقد ظنّ الكثيرون أن انتفاضات ما سمّي بـ”الربيع العربي” والتي أطاحت بأنظمة فاسدة وقمعيّة، رافعة شعارات من أجل الحريّة والكرامة، يمكن أن تعيد الاعتبار للنخب المستنيرة المدافعة عن قيم الحداثة لتلعب دورها في بناء المستقبل. إلاّ أن الحركات الأصوليّة انقضّت على تلك الانتفاضات انقضاض الطيور الكاسرة على ضحاياها لتنحرف بها عن أهدافها الحقيقيّة، مصادرة مكاسبها لصالحها. وكان من الطبيعي أن تزداد هجمات الحركات الأصولية على النخب المستنيرة شدّة وضراوة، وأن تستفحل من جديد الدعوات إلى التّكفير، والتّحريض على العنف والقتل ضدّ كلّ من يفضح مخطّطاتها الجهنّميّة. وهذا ما تعكسه الأوضاع راهنا في جميع بلدان انتفاضات “الربيع العربي”.

لذلك يمكن القول إن الحركات الأصوليّة هي التي تمثّل راهنا العدو الأشد شراسة للثقافة، وللفكر الحر المناهض لكل أشكال التسلط والانغلاق إذ أنها تفضل رجل الدين شبه الأمي الذي ينقاد لها، ويطيعها طاعة عمياء على المثقف الحقيقي الذي يحرك السواكن ويوقظ العقول الخامدة ويطرح الأسئلة المثيرة للجدل.

حركة النهضة ساهمت مساهمة فعّالة في إحداث اليقظة المرجوّة، والمبتغاة من قبل مجتمعات عربيّة عاشت قرونا من الرّكود والانحطاط، سامحة للنخب المثقّفة بالاطّلاع على منجزات الحضارة الغربيّة

أما العدو الآخر فهم أولئك الذين يفرطون في تمجيد التكنولوجيات ووسائل الاتصال الحديثة، “مُبَشّرين” بموت عصر الكتاب، وانتفاء الثقافات الإنسانية العميقة. وهم لا ينقطعون عن ابتكار مختلف الوسائل سعيا منهم إلى إثبات أن المثقفين فئة منقرضة لم تعد صالحة إلاّ للثرثرة واللغو.

 ويشكل المثقفون الانتهازيون الفيلق الثالث لأعداء الثقافة والفكر الحر. وقد تعوّد هؤلاء على تغيير مواقفهم وأفكارهم بحسب ما تقتضيه الظروف ومصالحهم الخاصة. فبالأمس كانوا خدما مطيعين للأنظمة التي سقطت، واليوم هم على استعداد دائم لركوب الموجات الجديدة، متنكرين لماضيهم، وناسبين لأنفسهم بطولات وهمية. لذلك هم لا يترددون في مناصرة الحركات الأصولية إذا ما تبين لهم أن هذه الحركات يمكن أن تستجيب لمطامحهم.

وإذا كان الأصوليون، والمفتونون بالتكنولوجيات وبوسائل الاتصال الحديثة يجاهرون بأفكارهم، فإن المثقفين الانتهازيين يتميزون بالقدرة الفائقة على التستر وإخفاء، نواياهم ومخططاتهم. لذا هم أشد خطرا وسوءا.

ونحن نظنّ أن مستقبل الثقافة العربية مرهون بنتائج الصرّاع المرير المشتعل الآن بين أعدائها وبين النخب المثقفة التي لا تزال تتحلى بالنزاهة والصدق، متطلّعة إلى التنوير والإصلاح والتحديث وإعادة الاعتبار لحرية الإبداع والفكر اعتمادا على المفاهيم والقيم الإنسانية النبيلة. فإن خسرت هذه النخب معركتها المصيرية أمام أعدائها، فإن الثقافة العربية ستعيش انكسارات وخيبات أخرى قد تغرقها في الظلمات لأمد طويل.

16