ثلاثة أعوام من العزلة

قصة نادي بارما من تفاصيل وتقلبات أعاد إلى الذهن عنوان تلك الرواية الشهيرة لغابرييل غارسيا ماركيز، حيث بدت العزلة قاسما مشتركا في الحكايتين مع بعض الاختلاف.
الأحد 2018/05/20
نادي بارما يكسر العزلة ويعود إلى دوري الأضواء

استعادت مدينة بارما سالف ألقها وتوهجها، لقد عاشت ليلة الجمعة الماضية على وقع الفرح والسرور والاحتفال إلى حدود الساعات الأولى من يوم السبت، فهذه المدينة الجميلة كتب لها أن تعيش فصولا من التاريخ المشرف، فشابهت بذلك قرية “ماكوندو” التي أبدع الكاتب العالمي غابرييل غارسيا ماركيز في وصفها ونقل كل تفاصيلها على امتداد عشرة عقود في روايتها الخالدة “مئة عام من العزلة”.

بارما ولدت من جديد بعد أن نجح فريق المدينة في كسر حاجز العزلة والعودة إلى دوري الأضواء، إثر فوزه في آخر مبارياته ضمن منافسات الدرجة الثانية على حساب سبيزيا بثنائية “طارت” بهذا النادي إلى عنان السماء وحوّلت وجوده في الدرجات السفلى إلى واقع جديد بنكهة الماضي المجيد، عندما كان فريق بارما من أبرز الأندية الإيطالية وأحد أكثر الفرق التي تتنافس على إنجاب اللاعبين الرائعين والمراهنة على الألقاب.

قصة نادي مدينة بارما أعادت إلى الأذهان عبقرية الكاتب المبدع ماركيز عندما بات أحد أروع الروائيين في التاريخ بفضل كتبه الخالدة وطريقة سرده لأحداث تلتصق غالبا بالواقع وتنشد في أحيان عديدة خيالا ممتعا ومثاليا.

وما حصل لنادي بارما يشبه في بعض تفاصيله بعضا من فصول تلك الرواية “اللذيذة” المغبطة والمدهشة “مئة عام من العزلة”، فما تحدث عنه ماركيز عند وصفه لقرية ماكوندو وأبطالها الرائعين وسرده لأحداثها العديدة والمثيرة يتماهى في بعض جزئياته بما حدث ويحدث مع نادي بارما.

وما في قصة نادي بارما من تفاصيل وتقلبات أعاد إلى الذهن عنوان تلك الرواية الشهيرة لغابرييل غارسيا ماركيز، حيث بدت العزلة قاسما مشتركا في الحكايتين مع بعض الاختلاف في الشخوص والنهايات والأطر الزمانية والمكانية، فعزلة رواية ماركيز عند حديثه عن أبطال قرية ماكوندو بلغت مئة عام، بيد أن عزلة فريق مدينة بارما الإيطالية استمرت لثلاث سنوات فقط.

ثلاث سنوات قد تكون كافية لتجسيد كل تاريخ هذا النادي العريق الذي تأسس سنة 1913، فبقي لفترة ناهزت المئة عام يعيش على وقع نجاحات عديدة وانكسارات قليلة، قبل أن يقول القدر كلمته لتجبره الظروف على الدخول في عزلة لم تدم طويلا.

وقصة هذا النادي بكل ما فيها من أوجه تشابه مع قصة ماركيز انطلقت في بداية القرن العشرين عندما وقع تأسيس فريق كرة قدم يمثل مدينة بارما، وكان الاسم الأول لهذا النادي بمسمى الموسيقار جوزيبي فيردي المولود في هذه المدينة، كانت البداية تحمل كل معاني الفن والرقي والفخر بأبناء “القرية” تماما مثلما حصل في قصة قرية ماكوندو.

قصة نادي مدينة بارما أعادت إلى الأذهان عبقرية الكاتب ماركيز عندما بات أحد أروع الروائيين في التاريخ بفضل كتبه الخالدة وطريقة سرده لأحداث تلتصق بالواقع وتنشد خيالا ممتعا ومثاليا

تبدل بعد ذلك اسم الفريق ليكون أكثر شمولية ويمثل المدينة بأكملها، إذ بات اسمه نادي بارما لكرة القدم، وتواصلت المسيرة، ليصبح الفريق من بين أبرز المدارس الكروية الإيطالية، ورغم قلة ذات اليد وضعف الموارد المالية إلاّ أن تلاحم أبناء المدينة وارتباطهم الوثيق بفريقهم جيلا بعد جيل أبقى النادي لعشرة عقود ضمن “صفوة” دائرة الضوء.

لمدة فاقت بقليل مئة عام وتحديدا منذ تأسيسه سنة 1913 إلى غاية 2015، كان هذا الفريق بإنجازاته المحلية والقارية وبأبطاله من اللاعبين المتألقين مصدر إعجاب وفخر للكرة الإيطالية.

لكن كل شيء فقد معناه، لقد ضرب “زلزال” اقتصادي مدمر أركان هذا الفريق وبات على حافة الإفلاس بعد أن أفلست الشركة الراعية له، لم يصمد الفريق ولم يعد قادرا بالمرة على الإيفاء بتعهداته تجاه لاعبيه ودائنيه، لقد أفلس النادي بالفعل، وكانت العزلة مصيره المحتوم.

فالوضع المادي الكارثي أجبر الاتحاد الإيطالي لكرة القدم إلى إصدار قرار بإنزاله إلى الدرجة الرابعة، واعتباره فريقا هاويا بعد أن بات عاجزا عن مواجهة المصاريف التي يستوجبها اللعب ضمن الدوريات المحترفة.

في سنة 2015 دخل نادي بارما في عزلته، لقد خسر كل شيء ولا أحد كان يعرف كم ستطول هذه العزلة، هل تكون مئة عام مثلما حصل في رواية العبقري ماركيز؟ هل تكون عزلة أبدية أم ينتفض سكان المدينة ويطوعون الحاضر والمستقبل للإفلات من قضبان الرواية؟

ربما كان العُشاق والمتيمين حبا بهذا النادي أكثر جرأة من سكان قرية الروائي الكولومبي المنفرد ماركيز، فاستعادوا ذكريات الأمجاد والأبطال، وأسسوا لمستقبل أفضل على أنقاض ظلمات العزلة المؤقتة.

لقد كان يقينهم قويا بأن الفريق الذي حاز في مناسبين كأس الإتحاد الأوروبي وفي ثلاث مناسبات كأس الكؤوس الأوروبية وتوج بكأس السوبر الأوروبي لا يمكنه أن يعيش بعيدا عن صفوة القوم.

تضامن الجماعة وامتدت الأيادي وعمل الكل من أجل الخروج من هذه العزلة البغيضة، ربما كان شعارهم ما دوّنه ماركيز في روايته الملهمة “فكلما تلاشت الأحداث من ذاكرتنا أعادها الكون، لكن في شخصيات وأزمنة مختلفة”.

وبعد أن كان أبطال نادي بارما خلال حقبة التسعينات الذهبية يحملون أسماء جيانلويجي بوفون وهيرنان كريسبو وفابيو كانافارو وليليان تورام وسانسيني وفيرون وزولا، أعاد هذا الكون صياغة الذكريات الجميلة بشخصيات جديدة ولاعبين مغمورين، لكنهم عظماء لأنهم أفلتوا من العزلة المحتومة فأعادوا البريق لـ”القرية” وأعادوا الفريق من الدرجة الرابعة إلى الأولى في ظرف قياسي، لتتحوّل عزلة مئة عام إلى ثلاثة أعوام، فقط.

23