ثلاثة أفلام لمخرجين كبار تخيب الآمال في مهرجان كان

حتى الآن شاهدنا ثلاثة أفلام على الأقل في مهرجان كان الحالي لمخرجين مرموقين عرفوا بمواهبهم الكبيرة، وسبق أن تألقوا في المهرجان نفسه سواء فازوا بجائزة أو أكثر، أو استحوذت أفلامهم على اهتمام الجمهور والنقاد، ومضت لتصنع لأصحابها مكانا بارزا على خارطة السينما في العالم.
الأربعاء 2015/05/20
سعفة كان بعيدة المنال عن فيلم "بحر الأشجار"

كان (فرنسا) - أول الأفلام التي انتظرها جمهور كان هذا العام لأحد الأسماء المرموقة التي عرفت بموهبتها الكبيرة، هو فيلم “بحر الأشجار” للمخرج الأميركي غس فان سانت الذي حصل على “السعفة الذهبية” عام 2003 عن فيلمه “فيل” الذي كان يصور بأسلوب سينمائي مبتكر، التفاصيل التي أحاطت بالمذبحة التي وقعت داخل مدرسة ثانوية في بلدة كولومباين الأميركية عام 1999، وهو الحادث المأساوي الذي قدم عنه مايكل مور فيلمه التسجيلي البديع “لعب البولنغ من أجل كولومباين”، وحصل عنه على السعفة الذهبية في مهرجان كان خلال دورة 2002.

يعود فان سانت إلى كان بفيلمه الجديد “بحر الأشجار” الذي لا شك أنه يبدو مختلفا عن أفلام التيار العريض الشائع في السينما الأميركية، سينما التسلية والمغامرات، منافسا مرة أخرى على السعفة الذهبية، ولكنها تبدو هذه المرة بعيدة كل البعد عن مناله، ففيلمه الذي ينحصر بين رجلين، الأول آرثر عالم رياضيات أميركي يقوم بدوره مايكل ماكونوهي، والثاني رجل ياباني يدعى تاكومي، يبدو مضطربا في بنائه، غير مثير في موضوعه، يبدأ بداية قوية يتوه بعدها ويضل يدخلنا في الكثير من التفاصيل الرتيبة التي لا تساهم في تعميق الحدث الذي ينطلق منه.

الرجلان جاءا إلى غابة مليئة بالأشجار عند سفح جبل فوجي تعرف في اليابان باسم “غابة الانتحار”، فهي مكان يتوجه إليه الراغبون في إنهاء حياتهم بأيديهم في بقعة تتميز بجمال الطبيعة وسحرها.

يأتي الأميركي آرثر إلى هذا المكان الغريب المليء بجثث المنتحرين، بعد أن فقد يقينه بالعلم وأصابه الاكتئاب المدمر عقب وفاة زوجته “نعومي واتس” في حادثة سيارة بطريقة عبثية.

أما تاكومي فهو مدير لشركة يبدو أنه يعاني من بعض الأزمات التي أطاحت بسمعته ومصداقيته وأوصلت شركته إلى الحضيض. لكن بينما يسلط الفيلم الأضواء من خلال “الفلاش باك” على حياة الأميركي في علاقته المشحونة مع زوجته، ثم ما أصاب الزوجة من مرض اعتقدا في البداية أنه سرطان الدماغ قبل أن يتضح أنه ورم حميد ينبغي استئصاله.

وفي المقابل يهمل الفيلم تسليط الضوء بقدر كاف على ماضي تاكومي الذي يقوم آرثر بإنقاذ حياته، لتنشأ علاقة صداقة قوية بين الرجلين وهما في محنتهما، تجعل آرثر يستعيد رغبته في الحياة ثم العودة إلى إنقاذ صديقه، لكن بعد كثير من الثرثرة والاستطرادات والدوران حول فكرة فلسفية غير واضحة في ذهن المخرج، فلا تصل إلينا كمشاهدين.

فيلم "أمي" لا يتمتع بنفس طزاجة ورونق وابتكار وطرافة فيلم "لدينا بابا" الذي قدمه موريتي قبل ثلاث سنوات

حديث طويل غامض عن فلسفة الانتحار في اليابان ومغزاها، ومشاهد طويلة مكررة يتعرض خلالها آرثر للسقوط في أماكن شديدة الوعورة، كانت كفيلة بأن تقتل فيلا، لكنه ينجو ويتحامل على نفسه ويستمد قوة أسطورية خارقة، ثم يتم إنقاذه في النهاية على يدي إحدى فرق الأمن اليابانية التي تراقب الغابة، لكنها تترك حرية الانتحار لمن يريد.

أم ناني موريتي

الفيلم الثاني هو الإيطالي “أمي” للمخرج ناني موريتي (حائز على السعفة الذهبية عن فيلم “غرفة الابن” في دورة 2001)، لا يقل افتعالا وتخبطا وانحرافا عن الطريق. موريتي المعروف بأفلامه الخفيفة، وميله إلى تقديم رؤية إنسانية، يعود هنا بفيلم لا شك أنه يعكس جانبا من حياته الخاصة، وتحديدا علاقته بأمه، وهي في الفيلم امرأة عجوز مريضة توشك على الموت، لكن محور الفيلم ليس الأم ولا الابن الذي يقوم بدوره موريتي نفسه، بل الابنة مرغريتا التي تجاوزت الخمسين من عمرها.

وهي مخرجة سينمائية تعمل في فيلم جديد حول إضراب العمال في مصنع يملكه رأسمالي يرفض المساومة والرضوخ لمطالب العمال، أي أنها مخرجة تعيش في عالمها الخاص، منفصلة عن الواقع، فهي تصنع فيلما ينتمي إلى عصر مضى في السينما الإيطالية، كما تعاني من مشاكل في العلاقة مع الآخرين، تريد فرض رأيها عليهم دون أن تستمع لأحد، وهي أيضا تعيش تداعيات علاقة زوجية فاشلة، فهي مطلقة ولديها ابنة شابة تعيش مع والدها.

لدينا إذن أكثر من قصة هنا: الأم المريضة التي تحتضر، المخرجة التي تعاني من الصدام مع أفراد طاقمها الفني وهي تصنع فيلما لا يمت للعصر بصلة، وقصة ثالثة تتعلق بشخصية الممثل الأميركي (من أصل إيطالي) جون تورتورو الذي يقوم هنا بدور ممثل أميركي مشهور يدعى باري تستعين به المخرجة، ولكنه يبدو عاجزا عن التكيف مع طرق العمل في السينما الإيطالية. ورغم ذلك يواصل رواية أكاذيبه الطريفة حول عمله مع المخرج ستانلي كوبريك وغيره من كبار المخرجين، في حين أنه يفشل مرات ومرات، في أداء جملة واحدة من الحوار أمام الكاميرا، إلى أن تتغير علاقته بمرغريتا وتعتدل بعد توتر، ليصبح أكثر فهما لأزمتها، وبالتالي أكثر قدرة على أداء الدور.

"سرطان البحر" فكرة طريفة تعوزها الحبكة

لا يخرج الفيلم عن الطابع الاجتماعي الخفيف لسينما موريتي، ولا نرى لوجوده بشخصه في الفيلم معنى سوى تلك الرغبة الدائمة لديه في أن يقول “أنا موجود وأوجه الأشياء”، فهو لا يكف -في الفيلم- عن إبداء النصح لشقيقته مرغريتا، ويبدو أيضا الأكثر فهما لأمه التي كانت معلمة متخصصة في الأدب اللاتيني.

وهناك ثرثرة كثيرة في الفيلم حول اللاتينية وأهميتها، واستطرادات طويلة في تصوير علاقة الحفيدة بالجدة التي تحتضر، واستطرادات أخرى حول مشاكل التصوير الخارجي، وتوتر العلاقة بين المخرجة ومساعديها، والكثير من المشاهد الأخرى المفتعلة للإضحاك فقط، ولو بالمبالغة الشديدة في الأداء من جانب جون تورتورو، واللعب على فكرة عدم إجادته اللغة الإيطالية، وغير ذلك من الخيوط العديدة التي تفسد الحبكة، وتجعل الفيلم يحيد عن الهدف.

هذا بالتأكيد عمل لا يتمتع بنفس طزاجة ورونق وابتكار وطرافة فيلم “لدينا بابا” الذي شاهدناه لموريتي قبل ثلاث سنوات.

سرطان البحر

الفيلم الثالث من أفلام المسابقة الذي خيب الآمال في كان، هو فيلم “سرطان البحر” للمخرج اليوناني يوغوس لاثيموس الذي سبق أن حقق نجاحا كبيرا في كان بفيلمه “ناب الكلب” قبل 6 سنوات.

والفيلم الجديد من الإنتاج البريطاني الفرنسي المشترك، ناطق بالإنكليزية ويشارك بالتمثيل فيه ممثلون من النجوم مثل كولن فاريل وراشيل وايتز وجيسيكا باردن. وهو يذكرنا بالأجواء الغريبة الموجودة في رواية “الأفيال” لفتحي غانم، أو “مزرعة الحيوانات” لجورج أورويل، ولكن على صعيد أكثر تجريدية وإغراقا في السوريالية التي تصل إلى أقصى درجات العبث.

ويصور الفيلم موضوعا يدور في المستقبل القريب، داخل فندق غريب يرمز لمؤسسة الدولة، يذهب إليه العزاب حيث يصبح مطلوبا منهم ضرورة العثور على شركاء لحياتهم خلال 45 يوما، وإلاّ أودعوا غرفة التحول ليتحولوا إلى حيوانات، كما أن لديهم أيضا فرصة لمد فترة إقامتهم شريطة أن يقوموا بمطاردة الفارين من هذا المصير واصطيادهم وقتلهم. وفي الفيلم الكثير من المشاهد التي قد تقلق الكثيرين، في إطار رصد ملامح مجتمع المستقبل بما تتضمنه من عنف وقسوة وغياب لكل أنواع المشاعر الإنسانية.

فيلم "بحر الأشجار" يضيع في حديث طويل غامض عن فلسفة الانتحار في اليابان ومغزاها

لا شك في طرافة الفكرة، وتنوع الشخصيات والطرق الغريبة التي تلجأ إليها “المؤسسة” لإرغام الأفراد على الانصياع لأحكامها، والتخلي تماما عن المشاعر الطبيعية، وتبنّي قسوة وعنف شديدين تجاه بعضهما البعض كناية عما يتهدد المجتمعات الديمقراطية، وتحذيرا من الفاشية التي قد تظهر في ثياب جديدة.

ومع ذلك تبقى مشكلة “سرطان البحر” متمثلة في حبكته التي تعجز عن التطور بعد انقضاء الساعة الأولى، فيظل الفيلم يدور حول نفسه، لندخل في الكثير من التفاصيل الصغيرة، والمطاردات، بحيث يتوه الموضوع، وتفقد الشخصيات ملامحها. لكن الفيلم رغم ما فيه من عيوب، يظل أفضل الأفلام الثلاثة نسبيا.

أما الفيلم الأفضل على الإطلاق في مسابقة المهرجان حتى كتابة هذه السطور، فهو الفيلم المجري “ابن شاؤول” ولا شك أنه يستحق مقالا مستقلا.

16