ثلاثة أفلام مغربية عن الدار البيضاء وتطوان في عمان

فيلم "بيرن آوت" أو "الاحتراق النفسي" يطرح سؤال الهوية في ظل صراع ثنائيات التنوع الثقافي والتضاد الطبقي والقيمي، في المغرب مجتمعا وأفرادا.
الخميس 2018/04/19
الفيلم يعاين صور مدينة الدار البيضاء الكوسموبوليتية الثقافية والاجتماعية بصفتها أنموذجا عن المغرب

عمان - اختارت الهيئة الملكية للأفلام بالأردن بالتعاون مع المركز السينمائي المغربي، ثلاثة أفلام روائية طويلة هي من بين أحدث إنتاجات السينما المغربية الجديدة، لتعرض ضمن احتفالية “أيام الفيلم المغربي” التي أقيمت أخيرا في صالة سينما الرينبو بالعاصمة الأردنية عمان، بحضور وفد من صناع الأفلام.

وقدمت الاحتفالية السينمائية ثلاثة أفلام مغربية هي “بيرن آوت” للمخرج نورالدين الخماري و”أفراح صغيرة” لمحمد شريف طريبق و”غزية” للمخرج نبيل عيوش.

واستهلت الاحتفالية بالفيلم المعنون “بيرن آوت” بحضور مخرجه نورالدين الخماري، الذي شارك في حوار مع الحضور، مبينا أن الفيلم هو استمرار لفيلميه السابقين “كازا نيغرا” و”زيرو”، وقد قدم فيه شهادة بصرية عن الواقع المغربي المليء بالرؤى والأفكار، وهو عمل بديع يقوم على احترافية فريدة تثبت قدرة المخرج على تصوير محطات ومواقف وعلاقات إنسانية.

ويطرح فيلم “بيرن آوت”، أو “الاحتراق النفسي” سؤال الهوية في ظل صراع ثنائيات التنوع الثقافي والتضاد الطبقي والقيمي، في المغرب مجتمعا وأفرادا.

يعاين الخماري في فيلمه الناطق باللغتين العربية (الدارجة المغربية) والفرنسية مدينة الدار البيضاء الكوسموبوليتية الثقافية والاجتماعية بصفتها أنموذجا عن المغرب، وهو يتكئ على رؤية الفنان التشكيلي المغربي الراحل عباس الصلادي (1950-1992)، الذي حاكى في لوحاته الأسطورة والصوفية والسوريالية التي تضج بالمعاناة النفسية واليومية والجسدية.

وسبر المخرج عمق المجتمع “البيضاوي”، في قراءة واقعية للمشهد بتسليطه الضوء على عدد من النماذج المجتمعية لشخصيات في المدينة، تمثل أفرادا وفئات من المجتمع، للحديث عن مفاهيم قيمية وفوارق طبقية وفساد لدى شريحة من المجتمع الراقي من سياسيين ورجال أعمال، إذ يختتم الفيلم بتعميم فكرة “الحب” بين الناس بصفته السبيل الوحيد لتجاوز تلك الفوارق.

نماذج مجتمعية لشخصيات عديدة
نماذج مجتمعية لشخصيات عديدة

يحكي الفيلم قصة شخصية جاد الذي أدى دوره الفنان المغربي أنس الباز، وينتمي إلى فئة اجتماعية ميسورة، لكنه غير سعيد في حياته الزوجية مع زوجته “إيناس” التي أدت دورها الفنانة مرجانة علوي، وهو فاشل في مهنته وفي علاقاته الاجتماعية مع محيطه الثري، بفعل صراع “ذاتي” مع ما كان يريد أن يكونه “بطلا في مسابقات السيارات السريعة” وما أراده له والده بأن يستمر في إرث العائلة بإدارة أعمالها التجارية الكبرى، علاوة على انكشاف هذا العالم له بما يشوبه من فساد.

ويتحدث الفيلم عن طالبة الطب “عايدة” القادمة من الريف وأدت دورها الفنانة الأميركية سارة بيرليز، وتعمد إلى إقامة علاقات مع رجال أعمال أثرياء، تلبية لتوفير متطلبات حياة أكثر رفاهية، علاوة على متابعة دراستها للطب رغم تناقض ذلك مع ما تؤمن به من قيم وأخلاقيات، وشخصية ماسح الأحذية الطفل “أيوب” وأدى دوره أيوب اليوسيفي، القادم من بيئة الفقر والمعاناة، يتعرض للتعنيف اللفظي والبدني وكل همه في الحياة هو شراء رجل اصطناعية لوالدته المعوقة، وسعى المخرج لإبراز تلك الشخصية بنقائها وعدم تلوثها بما يحيط بها من مجتمع قاع المدينة الفقير والمتوحش في آن، بتكريسه جسرا بين عالمين جد متباعدين، ولا سيما حين يجمع بينه وبين “جاد” الذي يهرب من مجتمعه المخملي، بحثا عن الذات في مجتمع قاع المدينة حيث تتراجع الواقعية القاسية التي يكشفها المخرج لكلا الطبقتين لصالح التكثيف والترميز وحتى الشاعرية التي تشترك فيها الشخصيات خطوة خطوة نحو الذروة، وليكتشف “جاد” أن الطبقة الفقيرة رغم بؤسها تستطيع أن تستمتع بأبسط الأشياء، إلا أن لقاء الطبقات هذا لا يعني تحقق المساواة بل يجعل الفوارق تقفز إلى الواجهة، ليبقى سؤال الهوية مطروحا إلى حين.

ويستعيد المخرج محمد شريف طريبق في فيلمه الروائي “أفراح صغيرة”، حقبة زمنية تعود إلى فترة الخمسينات من القرن الماضي لينطلق منها إلى مناقشة قضايا وهموم المرأة آنذاك وهي تواجه عادات وتقاليد دارجة في مدينة تطوان التي كانت بيئة رحبة لأطياف من الثقافات الإنسانية المتباينة.

وعلى دفتي الواقع والماضي القريب العائد إلى حقبة عقد الثمانينات، تدور قصة الفيلم المغربي “غزية” للمخرج نبيل عيوش، في مدينة الدار البيضاء أيضا، حيث يلتقط مجموعة من الأشكال السردية تعاين الشارع المغربي في محاولة لسبر أغواره في تجربة بصرية محملة بهموم أفراد وجماعات تقطن في مناخات تضم تكوينات جبال الأطلس وحكاية ذلك الأستاذ في مدرسة قرية صغيرة هناك.

لقد أتاحت الأفلام المشاركة لعشاق السينما والمهتمين فرصة اكتشاف باقة جديدة من بين اشتغالات السينما المغربية التي جالت في الكثير من المهرجانات والملتقيات السينمائية، وهي تحمل بصمات صانعيها الدرامية والجمالية المغايرة لأنماط السينما التقليدية.

15