ثلاثة أيام شعرية في سيدي بوسعيد التونسية

مازال الشعر قادرا على أن يستقطب جمهورا من مختلف الشرائح، ومازال لسان الناس الأول في قول الجمال وفي التعبير عما يكمن في النفوس والأذهان، هذا ما أثبته المهرجان الدولي للشعر بمدينة سيدي بوسعيد التونسية، تلك المدينة المتكئة بألوانها البيضاء والزرقاء على سفح أمام البحر ازدانت على مدى ثلاثة أيام بأشعار من مختلف أصقاع العالم أحيت بين أزقتها وشوارعها ومشاتها جوا ثقافيا فريدا.
الثلاثاء 2016/11/08
الشعر يظل دائما وأبدا الشكل التعبيري المتحرر من كل القوالب

السياسة أفسدت الحياة في تونس في جميع تجلياتها، ومظاهرها وأضرّت حتى بالثقافة إذ أن وسائل الإعلام بجميع أشكالها، انشغلت بالنزاعات والخلافات بين الأحزاب، وبالمعارك الطاحنة المشتعلة بينها على مدار الساعة، تاركة أهل الثقافة والفن يلوكون مراراتهم في الأركان المعتمة، فلا أحد يعيرهم اهتماما، ولا أحد يستمع إليهم، لكن بين وقت وآخر تستعيد الثقافة إشراقتها في هذا المهرجان أو ذاك، أو في هذه الندوة أو تلك.

احتفاء بالشعر

كانت أيام الشعر العالمي التي انتظمت في سيدي بوسعيد التونسية المطلة على البحر المتوسط ببيوتها البيضاء وأبوابها الزرقاء بعنوان “المهرجان الدولي للشعر بسيدي بوسعيد”، من 4 إلى 6 من شهر نوفمبر الحالي، واحدة من هذه الإشراقات الثقافية النادرة. وقد أشرف على تنظيم هذه الأيام الشعرية الثلاثة الشاعر التونسي معز ماجد الذي يكتب بالفرنسية، لكنه متابع ومواكب للحركة الشعرية في تونس، وفي العالم العربي، ومهتم خاصة بحركة الشعر العالمي، هذا ما مكنه رفقة المنظمين من دعوة أسماء شعرية ذات تجارب مهمة

عالميا وقد لا يعرفها القارئ العربي والتونسي. في تقديمه لهذه الأيام يقول معز ماجد إن الشعر يظل دائما وأبدا الشكل التعبيري المتحرر من كل القوالب، ومن كل التوصيفات والتعريفات الجاهزة والمستعجلة لمن يعتقدون أن العقل قادر على الإحاطة بكل شيء. ويضيف ماجد أن الهدف من مواصلة تنظيم أيام الشعر في سيدي بوسعيد هو خلق فضاء ثقافي وفني يتمكن من استقطاب شعراء من ضفتي البحر الأبيض المتوسط ومن مختلف أنحاء العالم، ومنحهم فرصة التعارف والحوار في زمن الهويات والأيديولوجيات القاتلة، الكارهة لحب الحياة والشعر.

على مدى ثلاثة أيام إذن، احتفت سيدي بوسعيد بالشعر، وبها وبجمالها الساحر احتفى الشعر، وتوزعت القراءات الشعرية على فضاءات مختلفة ومتعددة، لترتفع أصوات الشعراء بمختلف اللغات في المقاهي، وفي المطاعم، وفي الأزقة المتعرجة، وفي الساحات، وفي الحدائق المعطرة بروائح الفل والياسمين، وكل شاعر أو شاعرة قدم ما زاد في جمال إشراقة هذه الأيام.

تجارب مميزة

ألقى الشاعر زهير أبوشايب الذي يعيش بين رام الله وعمان، قصائد تنضح بأوجاعه وبآلامه التي عمقت جراحه، إلاّ أنها لم تمنعه من تعميق تجربته الشعرية ليكون واحدا من أفضل الأصوات الشعرية راهنا. وجاء أحمد الملاّ من المملكة العربية السعودية بـ”شعره الطويل حتى الينابيع” ليقدم من خلال قصائده صورة للشعر السعودي الجديد المتعطش للحرية، ولحب الحياة. وفي نهاية قصيدة عن والده،”الشجرة الضاربة عروقها في الأرض”، والتي يستظل بها الأبناء والأحفاد من مختلف الأجيال، بكى وبكى معه الجمهور.

وبصوته الدافئ أنشد الشاعر التونسي آدم فتحي مجموعة من قصائده التي احتواها ديوانه الأخير “نافخ الزجاج الأعمى” عاكسا من خلالها صورا من طفولته، ومن مسيرته الشعرية. وأتحف الشاعر الجزائري ميلود الحكيم أحباء الشعر بمجموعة من قصائده التي تثبت قدرة جيله على التصالح مع اللغة العربية، وإثرائها. وعلى طريقة الشعراء التروبادور، أنشد التونسي المنصف المزغني مجموعة من قصائده المفعمة بالدعابة السوداء، ساخرا من “زمن القرود” على حد تعبير أبي نواس. وكان لإطلالة الشاعر التركي المميز أتاأول بهراموغلو وقع كبير على جمهور الشعر، فقد راح يلقي قصائده متنقلا بين طاولات “المقهى العالي” على طريقة شعراء الشرق القدماء:

حزن المساء في الأقاليم

هو نفسه في الأركان الأربعة

السماء الصافية وأشباح المنازل

والنظرة الحزينة للنساء في الأرياف القصيّة

تنشر الريح صوت المساء

تدريجيّا يغرق هيكل الجبال في الليل

أمضيت طفولتي في مدن الأقاليم

وذلك الحزن الرمادي الذي يأتي به المساء

ظلّ في قلبي

منذ سنوات وأنا أعيش هذا الحزن

أتحسّر آه كم أنا أتحسر

عندما باسمي تناديني أمي.

أحمد الملا وباربرا بوتاشنيك وأتاأول بهراموغلو وإلفيرا ساستري شعراء من مختلف الثقافات والأجيال أثثوا أيام الشعر

وقدمت الشاعرة المالطية كلاوديا غاوس مجموعة من القصائد التي بدت فيها متأثرة بالهايكو الياباني، فيما اقتصرت الشاعرة السورية مرام المصري التي تعيش في المهجر الفرنسي منذ عقدين على قراءة قصائد عن أوجاع ونكبات وطنها الجريح الحالم بالحرية والسلام. وجاءت إلفيرا ساستري البالغة من العمر 24 سنة من أسبانيا، لتنشد قصائد تتغنى فيها بجمال الجسد الأنثوي على طريقة بيليتيس اليونانية. أما الشاعرة السلوفينية باربرا بوتاشنيك، فقد تعرف معها أحباء الشعر على وجه مشرق من وجوه الشعر في سلوفينيا الصغيرة، بقصائدها التي تميزت بمناخ شعري خاص بها. وتعكس قصائد هذه الشاعرة المتوهجة ثقافة عالية، ومعرفة واسعة بالشعر العالمي:

مما قرأت باربرا:

في الصباح توهّجت الشمس كمن يدير نظره

ويعطي للنساء الحق في الجمال لوقت محدّد.

عندك حق، فكرت أليس، الحب مثل حشد نحل مزعج يتكاثف بشكل غير متوقّع: شوكة نحلة مدافعة من مثانتها.

الأفضل أن تُسْكنَ كلّ حركة، تاركا موقعا لزاوية انكسار أشعته

بكل تجاهل، وإلاّ فإن الخوف من كلّ حشد النحل سيكون قاتلا.

15