ثلاثة تحولات في الشرق الأوسط

الثلاثاء 2017/10/24

تمر منطقة الشرق الأوسط بمرحلة تحولات إيجابية هامة تتمثل في انحسار الدور الإيراني، وتراجع التحالف التركي الإخواني، وعودة العلاقات السعودية العراقية مرة أخرى راسخة قوية.

يستمر الدور الإيراني بالتراجع في المنطقة وخاصة بعد لجم الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطماع طهران وأوهامها التوسعية. طهران ظنت أن بإمكانها توظيف ملفها النووي كأداة للتحكم بسلوك واشنطن نحوها. توهمت طهران أنها ستحافظ على نفوذها كما أرادت لها إدارة الرئيس السابق باراك أوباما في مواجهة منافسيها.

رغم أن أطرافا أوروبية مؤثِّرة لم تدعم موقف ترامب من الاتفاق النووي الإيراني، إلا أن الجميع متفق على ضرورة لجم وتقليص النفوذ الإيراني.

الصراعات التي تخوضها طهران ليست محكومة بالتجاذبات السياسية فحسب، بل هي أكثر احتكاما لوقائع الأزمات الاقتصادية. من هذا المنطلق، لن يكون بمقدور إيران التحرك ضمن معادلة مستقلة عن علاقات القوى الكبرى التي لها أهدافها ومصالحها في المنطقة.

مراهنة إيران على حصان حسن نصرالله الغارق في المستنقع السوري، أو الحوثي الخاسر في اليمن، لن يشفع لها لتنفيذ حلمها النووي أو لتطوير برنامجها الصاروخي وطموحاتها العسكرية الأخرى. حتى روسيا التي يبدو أنها معنية بعلاقاتها مع طهران (ربما نكاية بالولايات المتحدة)، إلا أنها – أي روسيا- تقر بوجود افتراقات في عدد من القضايا مع طهران.

في نهاية الأمر لا يصح إلا الصحيح؛ مجلس النواب الأميركي سيصوت قريبا لفرض المزيد من العقوبات على حزب الله وبرنامج إيران للصواريخ الباليستية.

التحول الهام الثاني هو تراجع تركيا- ولو بخجل- عن رعاية ومساندة الإخوان الإرهابيين. بعد انتشار رائحة مؤامرات الإخوان، يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدأ بتغيير رهاناته والابتعاد- ولو تدريجيا- عن دعمه الكامل وغير المشروط لمحاولات الإخوان نسج المؤامرات على الأنظمة الشرعية في المنطقة.

لكل شيء ثمنه، أردوغان يحتاج في الوقت الحالي على الأقل لإيجاد حل للوضع الكردي، والتوصل لحل للأزمة الدبلوماسية مع واشنطن، والتصالح مع تل أبيب، والتودد لروسيا، و“ترقيع” انشقاقات حزب العدالة والتنمية. باختصار، الوجه العلماني لتركيا الجديدة سيتفوق على الضجيج الأيديولوجي الإخواني. مصلحة أنقرة تكمن اليوم في التعايش السلمي مع العالم المتحضر، عوضا عن استضافة من تبقى من عصابة الجماعة الهاربين.

ربما على أردوغان أن يفكر جديا بشأن استعادة العلاقات مع الشقيقة مصر، والتخلي عن رفع يده “ناقصة إصبع”، فالشعبوية المسرحية لم تعد تقنع الشارع التركي أو الرأي العام العالمي. ثمة إعادة لرسم التوازنات السياسية في المنطقة، الظروف مغرية اليوم لتركيا لتجسير الهوة مع مصر وأن تستغني عن الجماعة وحُكام قطر، لأن المردود السياسي والعائد الاقتصادي أكثر أهمية من “الهياط” العثماني.

التحول الإيجابي الثالث هو عودة العلاقات السعودية العراقية متينة وقوية. الدلائل كثيرة؛ وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أشاد بالتعاون بين العراق والسعودية قائلا “خير مثال على أهمية التعاون بين بلدينا هو توجه أوضاع السوق البترولية نحو التحسن والاستقرار”. يبدو أن الرياض وبغداد عازمتان على اتخاذ خطوات جادة لمستقبل مثمر بعد علاقات مضطربة منذ الغزو العراقي للكويت في 1990.

اجتماع مجلس التنسيق السعودي العراقي في الرياض هذا الأسبوع بداية لتحقيق رؤية صلبة وجادة ولإقامة شراكات تجارية وصناعية هامة وخاصة في قطاع الزيت والغاز ونقل الطاقة. ستون شركة سعودية تشارك في معرض بغداد الدولي في أبرز مؤشر على الرغبة لتعزيز الحراك التجاري والاقتصادي بين البلدين. هذه نقلة نوعية للعلاقة بين الرياض وبغداد وخاصة بعد تذمر التجار العراقيين والمواطن العراقي من رداءة المنتجات الإيرانية.

في مطار بغداد الدولي، رحّب مواطنون عراقيون بأول طائرة سعودية حطّت على أرض المطار منذ 27 عاما، بتقديم القهوة والرطب للمسافرين السعوديين. الكرم صفة عربية أصيلة، والمطلوب الآن ترسيخ وتعميق هذه العلاقة بين البلدين والشعبين الشقيقين. الشرق الأوسط الجديد ليس كما أرادته كونداليزا رايس منهكا ومقطع الأوصال، بل جميلا متطورا ومزدهرا.

عضو جمعية الاقتصاد السعودية

9