ثلاثة تونسيين يسافرون عبر الزمن في رحلة كوميدية

فيلم "مشكي وعاود" يصنف في خانة "الكوميديا السوداء" التي تعالج قضايا الواقع الراهن ولكن بطريقة ساخرة تجعل الجمهور يضحك على آلامه.
الأربعاء 2020/03/11
فيلم ينبش النفاق الاجتماعي

تونس- اعتبره النقاد توجها جديدا في السينما التونسية بالتخصص في الأفلام الكوميدية التي قطعت مع مرحلة من السينما الملتزمة، إنه فيلم “مشكي وعاود”، الذي نزل مؤخرا في قاعات السينما التونسية ليحقق إيرادات عالية ونسب مشاهدة مرتفعة.

واحتضنت قاعة الكوليزي بالعاصمة تونس عرض الفيلم لمخرجه قيس شقير، وهو من بطولة نجوم الكوميديا التونسية بسام الحمراوي وجعفر القاسمي وكريم الغربي.

الفيلم الذي استغرق إنجازه قرابة السنة يعدّ العمل السينمائي الأول في مسيرة المخرج قيس شقير الذي أخرج عدة مسلسلات كوميدية من بينها “الهربة” و“إلي ليك ليك” و“دنيا أخرى”.

و“مشكي وعاود” هو لفظ يطلق على لعبة “الورق” عند انتهاء كل جولة وبعثرة الأوراق وخلطها من جديد والانطلاق في جولة ثانية، ولكل شخص حظه. وهذا ما حصل مع هؤلاء الثلاثي في الفيلم حيث توقفت حياتهم في ليلة من ليالي شتاء سنة 2019 عندما تعرضوا لعملية سطو مسلح من قبل عصابة تتزعمها امرأة تدعى “سوسو” في غابة خالية من الناس وجردتهم من أموالهم وحتى من ملابسهم.

الفيلم قدم صورة تعكس التفاصيل الجديدة التي أصبح المجتمع التونسي يحملها بعد عشر سنوات من اندلاع شرارة الثورة

في تلك الليلة، حدثت ظاهرة طبيعية غريبة من نوعها وظهر في وجوههم شعاع أبيض اللون فأعادهم الزمن إلى ما قبل الثورة في سنة 2009 في عهد زين العابدين بن علي.

وفي بداية الفيلم جسد كريم الغربي دور المتطرف دينيا “الأمير أبوخنجر” الذي يتاجر بالدين ويكفر من يشاء ويهدي من يشاء، وجعفر القاسمي “ربيع” جسد دور الرأسمالي الثري الفاسد المختنق بالديون. أما بسام الحمراوي فقد تقمص دور النقابي والمدافع عن حقوق العمال “حمودة” والمتزوج بـ“أسماء باركينغ” التي جسدت دورها الممثلة جوليا الشواشي.

ولخص هذا المشهد الواقع الحاصل في تونس حاليا والذي تقسمه الأيديولوجيات وتحكمه السياسة وتتقاذفه صراعات الهوية.

لكن بالعودة إلى سنة 2009، صدم الثلاثي بحقيقتهم المرة، فالأمير أبوخنجر وجد نفسه قبل الثورة ذلك الشخص الملقب بـ”قعموزة” المنحرف وبائع الخمر خلسة.

أما القاسمي فوجد نفسه منخرطا في حزب التجمع التابع لرئيس تونس الأسبق زين العابدين بن علي وهو مجرد مخبر ومتملق، أما الحمراوي وجد نفسه ذلك الشيوعي الذي كانت تخونه حبيبته.

وحاول سيناريو الفيلم أن ينبش النفاق الاجتماعي الذي يتظاهر به البعض وأن يثير عديد القضايا بطريقة كوميدية بحتة كالتعصب والإرهاب والفساد والعنف والإجرام والاستغلال والشذوذ الجنسي. ويصنف الفيلم في خانة “الكوميديا السوداء” التي تعالج قضايا الواقع الراهن، ولكن بطريقة ساخرة تجعل الجمهور يضحك على آلامه.

فيلم يثير عديد القضايا بطريقة كوميدية
فيلم يثير عديد القضايا بطريقة كوميدية

ورغم ذلك لم يخل الفيلم من المشاهد الدرامية ذات البعد التراجيدي التي جعلت الجمهور يتأثر حد البكاء، مثل مشهد عودة جعفر القاسمي إلى منزل والدته ووجدها على قيد الحياة، بعد أن ظن نفسه قد فقدها.

الفيلم قدم أيضا صورة تعكس التفاصيل الجديدة التي أصبح المجتمع التونسي يحملها بعد عشر سنوات من اندلاع شرارة الثورة. وبعودتهم إلى ماضيهم، اكتشف هؤلاء الثلاثي واقعهم الأصلي لذلك أرادوا أن يقلبوا قواعد اللعبة وإعادة خلط الأوراق من جديد.

فالقاسمي أراد ألا تندلع الثورة وحاول أن ينبه الرئيس بن علي بأن ثورة ستحدث في بداية سنة 2011، كما حاول أن يمنع محمد البوعزيزي رمز الثورة التونسية من حرق نفسه، لكنه لم يستطع ذلك.

وأقدم كريم الغربي على الإمضاء على صكوك بدون رصيد واقتناء سلع مخصصة للبناء بأسعار خيالية، لأنه متأكد من أنه بمجرد اندلاع الثورة سيتم الإفراج على مساجين “الشيكات” مثلما حصل سابقا.

أما بسام الحمراوي فباع مبادئه وتنازل عن حقوق العمال في سبيل الحصول على أموال من صاحب المصنع مقابل إخماد صوته، كما حاول أن يبتعد عن حبيبته الخائنة كي لا يتزوجها من جديد.

بخلط الأوراق من جديد انقلب حالهم وتغيرت مكانتهم حيث أصبح كريم الغربي برجوازيا ورجل أعمال ثري وجعفر القاسمي أصبح أميرا سلفيا وبسام الحمراوي أصبح ذلك النقابي المتخلي عن مبادئه. وبين هذه التحولات، مرر كاتب السيناريو سليم بن إسماعيل مشاهد مضحكة اعترضت هذا الثلاثي خلال رحلتهم في الفيلم، ولقائهم بشخصيات ثانوية.

وعلى امتداد ساعتين من الزمن، تفاعل الجمهور مع كل مشهد مرة بالتصفيق ومرات بالضحك إعجابا بالمشاهد الساخرة والكوميدية للفيلم.

14