"ثلاثة جياد" لأري دي لوكا رواية بطلتها شجرة

تأتي عناوين روايات الإيطالي أري دي لوكا متخففة من الإشارة إلى حدث أو خيط ناظم للرواية سيلمسهُ القارئ، كما هو الشأن في روايته “جبل الرب”، إذ نجدنا أقرب إلى الأخذ بالكتاب على أنه شعري، فيما لو غيّب التجنيس من الغلاف الأول واختفَت كلمة “رواية”. وهو ما سنتتبعه للذهاب إلى تلمس شعرية الروي والوقائع في المتن وفي التدليل على العنوان الواعي والحامل لروح الرواية بكليتها.
السبت 2016/05/21
رواية أقرب إلى الجموح

"ثلاثة جياد” للكاتب أري دي لوكا، رواية أقرب إلى الجموح والانطلاقة والتوق إلى الانعتاق أكثر من كونها ثلاثة جياد حقيقية تحمل روح الرواية وتشير إلى حدث مرتبط بها.

رواية الإيطالي لا تتحدث عن إيطاليا بقدر ما تتحدث عن فترة العسكر الأرجنتينية منذ منتصف السبعينات إلى ما بعد الثمانينات، وتلك الهجرة الإيطالية حيث تتحول عصا عسكر الأرجنتين الغليظة لتعبث بالبشر ملاحقة وسجنا وتنكيلا.

وما بطل أري دي لوكا إلا محارب وسجين سابق محرر بأعجوبة، يروي قصةَ علاقتهِ القوية مع الحياة وتوزع قلبهِ على امرأتين، إحداهنَّ شريكتهُ في طريقة الوجود والحرب من أجل البقاء بما تفرضه القضايا الكبرى المرتبطة بالإنسان وأحقيته في حياة حرة وكريمة، وهي دفورا شابة حيوية ومحبة ولا تخاف، ينتهي بها المطاف بأن تلقى مقيدة ومعصوبة العينين من طائرة مروحية إلى أعماقِ أحدِ البحار، وبذلك يصبح الأزرق بما يوحي به وفردة حذاء دفورا تركة لذيذة للبطل الذي سيسعى في ما بعد إلى تأسيس حياة جديدة بالسفر والعمل والقراءة والصداقات، الصداقات مع عابرين في السفن أو في المطاعم على أن يكون محور العلاقة سليم الأفريقي، شبه العرّاف، أو شبه الحكيم، والذي يبصرّه بما يقوله الرماد، في حين يصرّ بطل “ثلاثة جياد” على حيثية كونه بستانيا وما الرماد إلا انتقام الشجرة، من كونها كانت خضراء إلى وقت قريب قبل أن تطولها النار وتعدم أيامها، وهذا إحساس يسقطه راوي الوقائع على نفسه وما الشجرة هنا إلاّ انزياح نحو الحقيقة.

أما المرأة الثانية فعصب آخر وخيط واضح بين الخطوط المتشابكة والمضللة والمضللة، يعطي الحدث غموضا أقرب إلى الإيهام وربما هذا يخدم أكثر ما يخدم فكرة شعرية الروي، فالمرأة طبيبة الأسنان ليلى تترك مهنة الطب إثر خطأ طبي ليس قاتلا يتم تداركه لتتحول إلى مومس تقول عن نفسها إنها لا تفعل هذا كما تفعله النساء الأخريات، بل تفعله لجانب المتعة بعيدا عما يوفره المال والجنس، إذ تحصل على اعترافات خاصة ومذهلة من زبائنها.

تتوطد علاقة ليلى الخاصة مع بطل “ثلاثة جياد” لامتلاكه القدرة على رواية حياته ومفاصلها من زاوية مختلفة، كذلك استماعه لها، والنظر إليها كمشروع حبيبة أكثر من كونها امرأة منتهكة الجسد، لعلَّ الرابط بين دفورا وليلى بنظرِ البطل هو تحرر الجسدين، كل جسد على طريقته، وهو ما يجد فيهِ تحقق مفهومِ الحرية إذا عرفناها أساسا بذاته قامت عليه الرواية.

كذلك قرب العمل بشخصياته التي تظهر قليلة إلى الشعرية بالصياغات وكذلك بمداورة الأحداث والالتفاف عليها لتأتي الرواية في المحصلة كما لو أنها نص مكثف بحيث غاب اسم بطل الراوي تماما لصالح ثلاثة أسماء دفورا وليلى وسليم وبحضور مكثف لأسماء مضمرة، متخفية، تتشيد من العلاقة مع الشجر والحديقة والجبل والبحر والسفينة والرماد والنهايات المفتوحة لأحداث غائمة أساسا، أحداث تظهر على شكل بوح أو هذيانات.

“أحرر نفسي من نفسي حين أتعلم أن أعيش الحياة بطريقة جديدة” بهذه الجملة التي قد يجدها القارئ في أماكن أخرى وبصياغة مختلفة، سيعرف منها مقدار دحض الحرب في النفس والتطلع إلى إنسانية خالية منها، وكأنّ الكتاب والحب هما أداتان لفعل هذا الاختراق، و”هذا ما يجب أن تفعله الكتب، أن تحمل الإنسان لا أن تجعل الإنسان يحملها، أن تخفف عبء الأيام عن كاهله لا أن تزيد إلى أعبائه ثقل صفحاتها”.

الرواية تتمتع برؤية دامغة على انزياح الإنسان الذي كان محاربا واعتزل الحرب لصالح الطمأنينة والسلام الداخلي، ليجد نفسه في كنف الحب والكتاب الذي يأخذه من عالم الواقع المليء بالآلام إلى عالم الورق الذي تكون نهاياته أمام العين معروفة ويمكن التغيير من مصائر أشخاصها، “لأول مرة أسير في خط مستقيم. ولكن طريق نجاتي يسير في خط متعرج، مثل مسير الخفاش”.

رواية “ثلاثة جياد” للإيطالي أري دي لوكا، في محاكاته للقصة الأرجنتينية في فترة زمنية عاصفة، هي الرواية التي تقول كلّ شيء عن الحرب وعن تحول الشخصية الرئيس والشخصيات الموازية دون النزول إلى لغة عادية تفعل فعلها بالوضوح والبساطة، فإن كانت الرواية نصّا فهي أيضا قصة مكثّفة، نجح الراوي في شعرنة قوله من الألف إلى الياء، ونجح نزار آغري مترجمها برشاقته وموازاته في ترجمة اقتربت من التعريب.

17