ثلاثة رسامين إماراتيين: عصف عاطفي ووقائع حالمة

ثلاث تجارب فنية من الإمارات جمعت بين عوالمها الفنية الأصالة المشهدية والتحديث التقني.
الأحد 2019/01/20
لوحة عبدالرحيم سالم

ما يُقال عن دولة الإمارات يصح قوله عن الفن فيها. فهو حديث ومعاصر ومغامر وجريء ومتطلع وعاصف في طموحه وسابق عصره. يكفي دليلا على ذلك أن رائد فن المفاهيم في الألم العربي هو الفنان حسن شريف (1951 ــ 2016) وهو مواطن إماراتي ذهب إلى بريطانيا عام 1973 (بعد إعلان الاتحاد بسنتين) للدراسة الفنية في بريطانيا وهناك تأثر بالفنان تام جيلز، رئيس قسم الفن التجريدي والتجريبي في الكلية التي كان يدرس فيها. حينها انقلبت فكرة شريف عن الفن بطريقة ثورية فعاد عام 1984 إلى بلده بعد إنهاء دراسته حاملا لواء المعاصرة، مبشرا بولادة فنون معاصرة من خلال جماعة الخمسة التي ضمت محمد كاظم ومحمد أحمد إبراهيم وحسين شريف وعبدالله السعدي إضافة إلى حسن شريف نفسه. في ذلك الوقت ما كان ممكنا القبول بأفكار تلك الجماعة في أي مكان آخر من العالم العربي، غير أن “الإمارات” كانت مكانا مختلفا عن سواه من جهة قبوله بالغريب، المختلف والثوري في نزعته المعاصرة.

قبل جماعة الخمسة كانت المارات قد شهدت أحداثا فنية يمكن النظر إليها باعتبارها الحلقة الأولى من حلقات التأسيس للفن في دولة ناشئة.

  • 1972 أقام الفنان أحمد الأنصاري معرضه الشخصي الأول في إذاعة الشارقة.
  • 1973 أقام الفنان عبدالقادر الريس معرضه الشخصي في دبي.
  • 1980 تم الإعلان عن تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في الشارقة.

على مستوى الجماعات الفنية فقد شهدت الإمارات تأسيس الجماعات التالية:

  • 1981 جماعة الأربعة (عبدالرحيم سالم، حسن شريف، عبداللطيف الصمودي، حسين شريف).
  • 1983 جماعة البانوش.
  • 1985 جماعة السالب والموجب التي أقامت معرضها الأول على قاعة النادي الأهلي بدبي وكانت الأعمال المعروضة منفذة بتقنية الحفر الطباعي.
  • 1994 جماعة الجدار التي لا تزال تقيم معارضها حتى الآن.

أما بينالي الشارقة فقد انطلقت دورته الأولى عام 1993. وفي عام 2005 شهد البينالي تحولا جذريا في اتجاه الفنون المعاصرة وصار يُدار من قبل منسقين ومنسقات من مختلف أنحاء العالم.

مكي وسالم والريس

 يمكن النظر إلى تجارب نجاة مكي وعبدالرحيم سالم وعبدالقادر الريس الفنية بطريقة مزدوجة، تاريخية وفنية. فالثلاثة كانوا روادا للحركة التشكيلية في دولة الإمارات العربية المتحدة. كما أن عوالمهم الفنية جمعت بين عنصري الأصالة المشهدية والتحديث التقني. رسموا بطريقة حديثة ما يمكن اعتباره أسلوبا محليا في العيش وهو ما فتح أمامهم الأبواب في اتجاه صياغة تفكير جمالي بخصائص محلية. يجمع بينهم المشهد وتفرق بينهم طرق الذهاب إليه.

لذلك يمكن التعامل مع تجاربهم باعتبارها القاعدة التي نشأ فيها الفن التشكيلي في الإمارات قبل أن يعلن حسن شريف عن تمرده الثوري الذي انتقل بالواقع الفني إلى مكان آخر، كانت الأنواع الفنية المعاصرة هي مادته.

عبدالرحيم سالم رسام الخرافة بأنوثتها

 “أن نصل إلى الفن عن طريق فتاة مجنونة، لم يتأكد أحد من وجودها” كان ذلك رهانه الذي انعكس تحولا كبيرا في أسلوبه الفني. حدث ذلك في بلد خيالي لم تكن حكاياته قد كتبت بعد. كان تراث ذلك البلد الذي سيصبح في ما بعد واحدة من معجزات عصرنا الحديث عالقا بالشفاه.

 لقد فكر عبدالرحيم سالم بالموروث الوطني وهي عادة اكتسبها من سنوات دراسته في مصر. لم يجذبه المكان ولا عناصره التزيينية الصامتة. لم يرغب أيضا في المضي وراء حكايات الصيادين في المجهول الذي تجسده مرئيات، هي عبارة عن مفردات محدودة فقدت الكثير من إيحائها الجمالي بسبب تكرارها. في حقيقة محاولته للوصول إلى هويته الشخصية كان هناك عنصر حركي غامض تصنعه العاطفة.

لقد سحرته أصوات النساء. ذلك ما قاده إلى ضالته. ولم تكن تلك الضالة سوى “مهيرة” الفتاة التي قادها امتناعها عن الحب إلى الجنون. حكاية شعبية سمعها في طفولته من جدته واستعادها شابا لكن عن طريق الرسم. الذي جرى بعد ذلك هو الأهم.

ميل سالم إلى التجريد وهبه الجرأة على أن يصب شغفه بتصوير حركة النساء المحليات في قالب الفتاة التي أطاح بها الحب حين سلمها إلى الجنون. لقد امتزج البحر والريح في طقس تعبيري نجا بـ”مهيرة” من رمزيتها.

رسوم عبدالرحيم سالم لا تروي ولا توضح ولا تشرح. إنها تهبنا روح الحكاية من غير أن تعلبها في صبغة
شكلية بعينها.

نساؤه هن الحوريات التي يلقي بهن موج البحر على الشواطئ ملتفات بعصف إلهامهن. هذا رسام يقف عند الحدود بين ما يراه وبين ما يحلم برؤيته، وهو ما قاده إلى أن يصنع أسلوبه في الرسم من خيال كائن يعده الجنون بالكثير من التجليات. استفاد الفنان من موضوعه فصار يرسم كما الريح.

مهيرة وهي لقية حياته

رسوم عبدالرحيم سالم لا تروي ولا توضح ولا تشرح
رسوم عبدالرحيم سالم لا تروي ولا توضح ولا تشرح

ولد عبدالرحيم سالم في منطقة الصبخة بدبي عام 1955. انتقلت عائلته إلى البحرين فدرس هناك إلى مرحلة الثانوية. “حياة لا يمكن معرفة جدواها وقيمتها إلا حين نتجاوز الخمسين من العمر، وكأن الحياة تكتسب قيما جديدة بمرور العمر” يقول. بعدها عاد إلى الإمارات ليقضي وقتا قصيرا يكون بعده واحدا من الطلبة المبتعثين إلى الخارج. ذهب سالم إلى القاهرة ليدرس النحت في كلية الفنون الجميلة التي تخرج منها عام 1981. مفارقة تذكر بالرسام الإيطالي مودلياني الذي درس هو الآخر النحت وانبعثت شهرته من رسومه.

تميز سالم عن سواه من دارسي الفن في مصر بتحرره من التأثيرات المصرية وهو ما كان واضحا أيضا في تجربة القطري يوسف أحمد الذي درس هو الآخر في مصر. ما رسمه بعد ذلك لم يحمل تأثيرات معلميه وهو ما صنع شخصيته المتميزة.

حمل عام 1980 حدثا مهما بالنسبة لتاريخ الفنون التشكيلية في دولة الإمارات. شهد ذلك العام ولادة جمعية التشكيليين الإماراتيين. كان عبدالرحيم سالم واحدا من مؤسسي تلك الجمعية وكان معه عبيد سرور ونجاة مكي وحسن شريف ومحمد حسين وعبدالكريم السيد وأحمد حلبوز ومحمد يوسف وحسين شريف.

تأخر عبدالرحيم سالم في إقامة معرضه الشخصي الأول إلى العام 1991.

يومها عرض تخطيطات بقلم الرصاص على الورق للمرأة التي شغف بها حبا. “مهيرة” التي لن يرافقه شبحها. إنها لقية حياته التي استلهم منها أسلوبه الفني وصار ينهل من جنونها حكاياته البصرية.

بعد ذلك المعرض أقام عبدالرحيم سالم عددا من المعارض في بلاده وفي دول عديدة منها الكويت وقطر ومصر وفرنسا والهند وسوريا وإسبانيا وألمانيا وكانت مهيرة ترافقه، المرأة التي أهدته أسلوبه في الرسم.

عصف عاطفي خفي

 تستمد مغامرة عبدالرحيم سالم قوتها من رغبة عميقة في التجريب. هذا رسام لا يخشى الأسلوب المتاح ولا يهابه. لا يخشى أن تفلت خيوط اللعب من بين يديه. إنه يمضي إلى هدفه الشكلي محملا بطاقة لا تنتهي، مادتها الغامضة تتكاثر تلقائيا من غير أن تتكئ على ما يقع خارجها. يرسم سالم كمَن يهذي. وهو كما أتوقع يحاور أثناء الرسم أنثاه الخفية التي قد لا تتاح لها الفرصة لكي تظهر كاملة كما يراها الرسام في جنة عاطفته.

عبدالرحيم سالم رسام خطوط، وإن صنعت تلك الخطوط ما يشبه المساحات اللونية التي تتشكل بالصدفة. وهب على العموم مساحات لا تخفي الخطوط التي شكلتها. ثنائية الخط واللون تخفي الكثير من الثنائيات تحت قشرتها. فهناك ثنائيات البطء والسرعة. هي ثنائية تحكم الشكل في إطار طاقته التعبيرية. وهو ما يقود إلى حركة اليد التي تجري وراء خيالها في سرعات متفاوتة.

وهناك ثنائية البعيد والقريب، حيث تلعب المساحات العميقة في اللوحة دور الذاكرة فيما تقبض المساحات السطحية على اليومي العابر وهي علاقة وظفها الرسام في سياق فكرته عن التنقيب في ما هو خفي من الكائن الأنثوي الذي يعالج أسراره. وهو ما ينقلنا إلى الثنائية الثالثة وهي ثنائية الخفي والظاهر. فما يهم سالم بالدرجة الأساس إلا الوصول إلى نتائج فنية ترضي ميوله التجريدية وهو ما نجح في إظهاره غير أن الدافع الخفي لفعل الرسم يظل مشتبكا بالحكاية أو ما تبقى من هوائها. وهنا أؤكد على مفردة “هواء” ذلك لأن الرسم بالنسبة لهذا الفنان هو عبارة عن فعل عصف عاطفي تعبر عنه الخطوط بعصفها.

ارتجال يشبه الموسيقى

بالرغم من مضي عقود على بداياته لا يزال عبدالرحيم سالم رساما طليعيا. ثقته بالرسم جعلته أكثر قوة في مواجهة تيارات الفن المعاصر التي سادت في دولة الإمارات بتأثير الانفتاح على العالم. أعانه الرسم على معرفة موقعه وسط تلك التحولات الفنية التي غلب عليها التماهي مع بعض التجارب العالمية. لقد تمسك سالم بالرسم، كونه خياره الجمالي الأخير الذي استطاع من خلاله أن يرمم صلته بالواقع.

يرى سالم الواقع بطريقته ومن موقعه رساما. ربما يحسده الكثيرون من دعاة الفنون المعاصرة على تلك الصلة الشعرية التي تنفتح بفنه على الواقع. وهو واقع فيه الكثير من الاحتمالات الجمالية التي سعى سالم إلى استدراجها من خلال تقنية “الارتجال”. يبدو كل شيء في رسوم عبدالرحيم سالم تلقائيا. كما لو أن الفنان يتجه إلى قماشة اللوحة البيضاء من غير تخطيط مسبق. هناك شيء من الارتجال في رسوم الفنان الإماراتي الذي يمزج حواسه مثلما يمزج أصباغه. الأصوات والصور والأحلام والأفكار هي مواده التي صار يراها كما لو أنها مادة واحدة، هي النسغ الذي يغذي كائناته بحياة متخيلة.

 حياة ليست بعيدة

تخلو لوحات عبدالرحيم سالم من الخلفيات. هناك رغبة مبيتة لدى الرسام في تحاشي المشهد الصحراوي. لقد صنع الرسام هويته مستندا إلى تجربته الشخصية. وهي تجربة يمتزج الفن من خلالها بالحياة. ما سعى إليه سالم منذ البدء هو أن يضع تجربته في سياق عالمي، لم تكن المحلية سوى دافع للإبداع. هذا رسام لا يصف الشيء الذي يراه بل يرى بعيني خياله حياة ليست بعيدة عن متناول يديه الساحرتين. عبد الرحيم سالم هو ابن دبي الذي تنبأ بعالمية رؤاها قبل أن تكون.

كلما التقيته شعرت بغربته. أهي غربة شخصية وهو المقيم في بلده، وسط مجتمعه الذي يؤمن بقيمه الثقافية أم هي غربة موضوعاته المستلهمة بشيء من الحلمية من البيئة التي تربى فيها واحتضنته؟

يعتبره البعض فنان دولة الإمارات العربية المتحدة الأول. عصاميته واجتهاده وتمكنه من أصول الحرفة وحرصه عليها وتقنياته الدقيقة ودقته التي لا تسمح أن يقع أي شيء على سطح اللوحة بمحض الصدفة، كلها عوامل تؤهله لأن يكون بحجم تلك الرمزية الوطنية.

عبد القادر الريس، يعتبره البعض فنان دولة الإمارات العربية المتحدة الأول. عصاميته واجتهاده وتمكنه من أصول الحرفة وحرصه عليها وتقنياته الدقيقة ودقته التي لا تسمح أن يقع أي شيء على سطح اللوحة بمحض الصدفة
الفنان عبد القادر الريس ساهم في تشكيل المشهد التشكيلي الإماراتي

ولكن عبدالقادر الريس غريب فعلا بعلاقته غير المسبوقة عربيا بالأصباغ المائية. المساحات الكبيرة التي يشتغل عليها الرسام الإماراتي تخيف أي رسام، لو أنه فكر في أن يستعمل المائيات وحدها.

وإذا ما عرفنا أن الريس لم يدرس الرسم أكاديميا فإن نظرة سريعة إلى إحدى لوحاته لا بد أن تجعلنا نقف باحترام لتلك الموهبة الكبيرة التي ما كان لها أن تنمو وتتطور لولا ما رافقها من جهد صعب في التعلم وتدريب الحواس وفهم كيمياء الأصباغ وأسرار المواد ووظائفها من أجل الوصول إلى خلاصاتها، حيث أقوى ما يمكن أن تهبه من سحر وجمال.

وإذا ما كان الريس قد قضى سنوات طويلة وهو يتلذذ بوصف البيئة من حوله، متأثرا بفنانين غربيين، يمكن اعتبارهم تقليديين، فإنه في المقابل ذهب إلى التجريد، بقناعة جمالية، يكمن سرها في شغفه بالماورائيات. وهو شغف يتجسد في خطابه وطريقته في تحليل الظواهر وإيمانه بقوة الغيب.

في جزء من محاولته التجريدية كان الريس حروفيا، لكن بطريقة لا تذكر بالمدرسة الحروفية التي عرفها العالم العربي منذ خمسينات القرن الماضي على نطاق واسع.

البيئة وخزانة الجمال

 ولد عبدالقادر محمد الريس عام 1951 في دبي. يومها دبي لم تكن دبي. كانت عبارة عن مساحة غير محددة الملامح تقع بين الرمل والبحر. وهما عنصرا البيئة التي صنعت ذاكرة الرسام البصرية وتمكنت من خيال عينه. وبالرغم من انهماكه المبكر في صقل موهبته الفنية وتعلم أصول وقواعد الرسم فإنه ما إن أنهى دراسته الثانوية حتى اتجه لدراسة الشريعة في جامعة الإمارات التي تخرج منها عام 1982.

وقد يكون مناسبا هنا التذكير بأن الريس كان قد ظهر لأول مرة رساما في سن مبكرة من حياته يوم شارك في أحد المعارض الجماعية التي أقيمت في الكويت عام 1964. بعد عشر سنوات من تلك المشاركة (1974) أقام معرضه الشخصي الأول في دبي. يومها كانت البيئة التي خبر فتنتها الخفية ملهمته، حيث رسم الصحراء والبيوت الشعبية والأزهار البرية، غير أن الأبواب القديمة احتلت موقع الصدارة مقارنة بالموضوعات الأخرى، وهو ما سيهب شخصيته الفنية نوعا من الخصوصية في المستقبل.

كرسه ذلك المعرض فنانا متميزا، غير أن سنة نجاحه كانت سنة إخفاقه في محاولة وضع الرسم في سياقه الروحي، وهو ما دفعه إلى الامتناع عن الرسم في الرسم، لأسباب شخصية، ليست غامضة إلا بالنسبة لمَن لا يعرف مقدار الصدق الذي يمارسه الريس مع ذاته. قضى الريس 12 سنة بعيدا عن الرسم، وحين عاد إليه عام 1986 فاجأ الجميع وبالأخص مَن عرف شغفه برسم مفردات البيئة بأسلوب واقعي بتجريدياته. وكما أرى، وقد أكون على خطأ في استنتاجي، فإن ذلك التحول كان مخرجه الوحيد من الأزمة التي عصفت بطريقة نظرته إلى الرسم. لقد وجد الريس في التجريد حلا. وهو حل سيكون مقدمة لعودة علاقة الرسام بالرسم إلى مجراها الطبيعي. لقد عاد الريس بعد سنوات من القطيعة إلى موضوعاته الأثيرة والمحببة إلى نفسه. تلك الموضوعات التي شكلت وعيه البصري الأول. كانت دبي قد بدأت في التغير، فصارت لوحات الريس أشبه بخزائن الذاكرة الجمعية.

رسوم تتشبه بالأحلام

يضفي عيدالقادر الريس على أبوابه هالة رمزية، يستعيرها من عاطفة، لا تزال حية لدى أجيال من الإماراتيين. وهي الأجيال التي قدر لها أن تعيش زمنين. زمن البحر وزمن النفط. تلك الأبواب التي امّحت إلا في ما ندر من الواقع، صارت مع الوقت تنفتح على طراز حياة، كان فيها الاسترسال في التماهي مع هبات البيئة الجمالية فعلا تلقائيا. الآن يفتح الريس أبوابه على حدائق، تبدو بالنسبة للكثيرين متخيلة. ذلك لأنهم لم يلمسوها بأيديهم. وبذلك يحقق الريس من خلال رسومه فعل إزاحة، ينتقل الباب من خلاله من كونه كيانا واقعيا إلى صفته الرمزية. الباب في لوحات الريس فكرة أكثر من أن يكون شيئا. إنه فكرة عن حياة لم تعد موجودة ولا يمكن استعادتها إلا عن طريق الخيال. وهو ما يتمكن منه الرسم، حين يزيح عن الوهم قشرته السحرية ويباغتنا بمسرات وأوجاع، لم نكن نتخيل وجودها.

الباب القديم علامة الريس الرمزية ولقيته العاطفية.  ألا يكفي ذلك سببا لشغف الإماراتيين بأعمال رسامهم الذي يكاد أن يعتبروه رسولهم الجمالي إلى العالم؟

قد يكون غير رسام أوروبي قد رسم الموضوعات البيئية التي يرسمها الريس من قبل. وهو ما أتوقعه. غير أن الريس يرى ما لم يره الأوروبيون من مفردات حياة، عاشها بعمق ولا يزال يتلذذ باستعراض شغفه الجمالي بها. وهنا بالضبط يكمن سر الحساسية التي تنطوي عليها رسوم الريس.

فالرسام وهو يقتفي الأثر إنما يمارس نوعا من التنقيب في أعماق روحه المحلقة في فضاءات، صارت تكتسب مع الوقت طابعا خياليا، كما لو أنها قد استعادت اندماجها مع الحلم. رسوم عبدالقادر الريس تتشبه بالأحلام، من جهة كونها تذكر بالواقع، غير أنها لا تتجسد واقعيا.

عيدالقادر الريس يضفي على أبوابه هالة رمزية
عيدالقادر الريس يضفي على أبوابه هالة رمزية

 شفافية الحلم ومياه الواقع

 في زمن اختفى فيه الرسم بالأصباغ المائية إلا في ما ندر، بسبب ما يتطلبه استعمال تلك الأصباغ من مهارات تقنية وتمكن حرفي إضافة إلى ما تفرضه شفافية تلك الأصباغ من موضوعات بعينها، لا يزال عبدالقادر الريس يسحر مشاهدي أعماله، لا ببراعته وحدها بل وأيضا بطاقة الأصباغ المائية الكامنة. وهي طاقة لا تتفجر إلا على يد فنان، قادر على أن يرفع يده عن سطح اللوحة في اللحظة المناسبة. فنان لا تقبل وهي تحلم يده الخطأ.

وبسبب دربته التي هي حصيلة سنوات طويلة من العلاقة بتلك المادة، عزيزة الاستعمال فقد صار عبدالقادر الريس لا يتردد في رسم لوحاته كبيرة الحجم بالأصباغ المائية. وهو ما يمكن اعتباره مغامرة، لا يقدم عليها إلا فنان يثق بالمادة مثلما يثق بيده. في “أرت أبو ظبي 2016″ رأيت لوحتين كبيرتين للريس، الأولى تمثل مشهدا بيئيا والثانية تنتمي إلى عالمه الحروفي. الاثنتان نفذتا بالأصباغ المائية، بطريقة تدعو إلى الدهشة. لقد استخرج الريس كل ما تملكه تلك المادة من قدرة آسرة على صنع مجال حيوي تغمره الشفافية بمفاجآتها السارة. عبدالقادر الريس رسام نادر من نوعه. لذلك يحق للإمارات أن تعتبره رسامها الأول.

نجاة مكي ابنة لقاء البحر بالصحراء

 تنتمي نجاة مكي إلى الجيل الذي وقعت عليه قواعد وبنى للحياة التشكيلية في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهي مهمة عسيرة في مجتمع تعرف على الصناعات الجمالية اليدوية غير أنه لم يكن يولي أهمية من مرحلة الفنون التقليدية التي تغلب عليها الفطرة إلى مرحلة يكون فيها الفن مزيجا من الخبرة الحسية والخيال، وهو ما يجرده من طابع الاستعمال المباشر.

لذلك كانت نجاة حريصة على أن لا تنقطع صلتها بالفنون التقليدية التي كانت سائدة أيام طفولتها. لقد تعلمت الشيء الكثير من تلك الإنجازات اليدوية التي كانت تحيط بها من كل جانب. كما أنها تعرفت على الألوان بصيغتها المطلقة في سوق الأعشاب. هناك كانت الروائح تحلق بخيالها إلى مكان تعبر فيه الألوان عن خلاصاتها التجريدية.

 اللون عنصر حر وحيوي ومتغير. هذا ما تعلمته من البحر الذي غمر طفولتها بسحر تقلباته. لم يكن شغفها بالرسم إلا وليد ذلك المزيج الذي نتج عن تجربتها البصرية من تلاقيات الطبيعة بمفرداتها التي تحقق انسجاما كونيا بالرغم من تناقضها.

طفولتها هي حفلة مجنونة اصطدمت فيها الصحراء بالبحر، فكان ذلك اللقاء المدوي بمثابة الجرس الذي أطلق العنان لروح الفنانة التي تبحث عن سر الجمال في ما كانت تراه من جمال في الأشياء.

سيكون عليها في ما بعد أن تسعى إلى فهم الأسرار التي انطوت عليها علاقتها بالأشياء من حولها وجعلتها مأسورة بها. كان شغفها بالجمال يضفي على تلك الأشياء طابعا يُخرجها من حيزها الاستهلاكي. لذلك فقد كانت ترى في القطع التي تطرزها أمها وأخواتها أعمالا فنية من طراز خاص. وهو ما ظهر في رسومها.

صنعت تاريخا للمرأة

 هذه الفنانة التي لم تخلص في حياتها لشيء بقدر إخلاصها لفنها الذي وهبته حياتها كلها مارس ظهورها فنانة رائدة بين رجال دفعتهم ثقتهم بالفن إلى تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية تأثيرا كبيرا في الإعلاء من شأن المرأة في تلك الدولة الفتية.

وهنا يكمن أحد أهم أبعاد شخصيتها. الأهمية الاستثنائية لفنانة من نوع نجاة مكي لا تكمن في رسومها فحسب بل وأيضا في الدور التاريخي الذي لعبته في إشاعة مفهوم الجمال بمعانيه الحديثة في مجتمع محافظ وتقليدي.

تستحق رسوم نجاة مكي أن تُرى من أجل ما تنطوي عليه تجربة الفنانة من مغامرة في مجال تحديث المجتمع وإغناء قاموسه بمفردات الحياة المعاصرة. وهي مفردات لم تكن غريبة عن العين الإماراتية. ما فعلته الفنانة أنها جردت تلك المفردات من طابعها الاستهلاكي وسمحت لها بممارسة خيالها بخفة وحرية ودعة.

 لغز حياة مشرقة

 ولدت نجاة مكي عام 1956 بدبي. درست فن النحت في القاهرة وتخرجت عام 1982 ومن ثم عملت في التعليم إلى أن حصلت على منحة من أجل إكمال دراستها في القاهرة فحصلت على شهادة الماجستير في النحت عام 1998 وشهادة الدكتوراه في المسكوكات عام 2001. وتعتبر مكي أول إماراتية تحصل على منحة من ذلك النوع.

أقامت معرضها الشخصي الأول في نادي الوصل بدبي. بعده أقامت أربعة معارض إضافة على مشاركتها في العديد من المعارض الجماعية داخل الإمارات وخارجها.

ساهمت نجاة مكي في إنشاء جمعية الإمارات للفنون التشكيلية إلى جانب الفنانين محمد يوسف وعبدالرحيم سالم.

للوهلة الأولى يبدو النظر إلى تجربة الفنانة من خلال دراستها مربكا. فهي درست النحت من أجل أن تصبح رسامة. وهي أيضا تخصصت بالمسكوكات ولم تعمل في ذلك المجال. غير أن النظر بطريقة متفحصة إلى رسومها لا بد أن يفكك عناصر ذلك اللغز الذي اعتبرته نجاة سر حياتها.

في منطقة مليحة بالشارقة عثر على قالب يحمل رأس الإسكندر المقدوني. سحرها ذلك الرأس الذي يجمع بين التاريخ والفن. بالقوة نفسها أدارت رأسها نحو العملات المعدنية القديمة. وهو ما دفعها إلى أن تستهل حياتها بالنحت البارز الذي استعملت تقنياته في ما بعد في تنفيذ لوحاتها التجريدية.

يبدو أن كل شيء في تجربة الفنانة ينطوي على طابع شخصي. هي ابنة بيئتها وهو ما تعلمته بصدق أثناء دراستها في القاهرة بالرغم من أن تأثيرات الفن المصري عليها تكاد لا تُرى في رسومها.

لقد تعلمت من الفن المصري ما لا يمكن العثور عليه بشكل مباشر. أقصد المعاني الرمزية التي تنطوي عليها رسومها إضافة إلى التصاقها بالبيئة المحلية التي سبق لها وأن اختبرت العلاقة بها من خلال تأملها لعالم الألوان من حولها. لقد كان والدها بائع أعشاب. ذلك وحده يهب تجربتها في اختبار الألوان طابعا رمزيا. هناك يكمن لغز حياتها المشرق.

 الفن الاجتماعي وتحولاته

نجاة مكي.. رسمت البيئة المحلية بلغة فنية حديثة
نجاة مكي.. رسمت البيئة المحلية بلغة فنية حديثة

وإن تفرغت للفن فإن شغف نجاة مكي بالتعليم لم يتوقف. غير أن أخطر ما فعلته في ذلك المجال هو استغراقها في تجربة علاج أطفال متلازمة داون عن طريق الفن. تعترف الفنانة أن تلك التجربة أكسبتها الكثير من المهارات النفسية. الفنانة المولعة بإقامة ورش فنية وجدت سعادتها في خمس سنوات من العمل بين أطفال، كان الفن يعيدهم إلى حياة كانوا قد فقدوها في ظل العمى الاجتماعي.

تنتمي نجاة مكي إلى نوع من الفنانين في العالم العربي. هو ذلك النوع الذي يهتم بالفن الاجتماعي الذي يعبر بصدق عن إحساس عميق بحاجة المجتمع إلى الفن باعتباره نوعا من الحل للكثير من المشكلات. وهذا لا يعني أنها وضعت فنها في خدمة أغراض اجتماعية، بل هي فعلت العكس حين سعت إلى الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى يؤهله لفهم الفن في حالته الصافية.

الفنانة التجريدية كانت تقيم دائما خارج النسق المحتمل. لقد أقامت معادلتها على أساس متوازن يجمع بين الواجب والمغامرة. التعليم هو الواجب والفن هو المغامرة. وكما أرى فإن الفنانة نجحت في الإمساك بعناصر معادلتها. كانت فنانة ومعلمة في الوقت نفسه.

 الفنان هو عمله

 “ليست لدي إجازة. فأنا فنانة متفرغة للفن، والفنان غالبا لا يأخذ راحة ولا يعرف إجازة في يوم الجمعة” تقول مكي. وفي مكان آخر تقول “بالنسبة لي الفن هو حياتي. أحيانا أجلس مع العمل الفني وأنسى نفسي. لقد وجدت نفسي في اللوحة التي تتحدث عن ذاتها وأي فنان هو جزء من العمل الذي ينتجه” وهو ما يعني أن هذه الفنانة التي تطبخ غذاءها بنفسها وتعتز بذلك هي امرأة من طراز خاص. هو ذلك الطراز الذي يقاوم الترف المجاني المتاح.

مليحة وهي منطقة أثرية بالشارقة تسكن خيالها تحوّلت في رسومها إلى امرأة جميلة. لمَ لا يكون الأمر كذلك؟ هناك معجزات يمكن أن ينجزها الفن ببراءة. وهو ما سعت نجاة مكي إلى أن تبلغه من غير أيّ حاجة إلى الوصف. ذلك لأن تجريديتها تستند إلى ذلك اللقاء الناعم والعنيق بين البحر والصحراء الذي يكاد يختفي مع الوقت. رسومها التي تحمل ذلك الإيقاع هي تذكرة دخول إلى عالم مفقود.

ليست الفنانة أسيرة ماض لم تعد استعادته ممكنة إلا عن طريق الحلم. ذلك لأنها تضع حقائق الحياة المنسية في أمكنتها الحقيقية كما لو أنها تؤلف كتابا عن المستقبل الذي تنظر إليه من خلال الجمال. وهي نظرة تقفز على الواقع من أجل أن يكون سحر الماضي ممكنا في ظل تحولات يشهدها بلد هو ابن العصر الحديث.

ينشر المقال بالاتفاق مع مجلة الجديد الثقافية اللندنية

14