ثلاثة رسامين من السعودية: التجريدي المتمرد ورسام مدينته وابن المعلقات

عبدالله الشيخ هو الرائد الحقيقي للحداثة الفنية في المملكة، وطه الصبان ابن جيل تجريبي أخرج المحترف الفني السعودي إلى العالم، وعبدالله حماس يستعين بالرسم ليكسب الأشياء خيالا.
الأحد 2019/05/05
عبدالله حماس يرسم حكايات الناس المسافرين (لوحة لعبدالله الشيخ)

المملكة العربية السعودية بلد شاسع المساحة، عريق في التاريخ. لذلك فقد كانت تجربة الحداثة الفنية فيه قائمة على تنوع في الرؤى والأفكار والأساليب بما يعكس صورة التنوع الثقافي القائم. وإذا ما كان الفضل في بدايات الرسم الحديث في السعودية يعود إلى تجربة الفنان عبدالحليم الرضوي الغنية بما حفلت به من مراجعات شكلية للبيئة المحلية فإن تجارب فناني الجيل اللاحق انتقلت بالرسم إلى مستوى، مزج الفنانون من خلاله الإخلاص للبيئة بالأساليب والتقنيات التي طرحتها تجربة الحداثة في العالم. هنا نقدم تجارب ثلاثة رسامين هم عبدالله الشيخ وطه الصبان وعبدالله حماس. هذه التجارب لا تمثل المشهد الفني كله ولا تختزله، غير أنها تقدم فكرة عن غنى التلاقي بين ما هو أصيل وما هو معاصر.

عبدالله الشيخ  بين هجاء الواقع ورثائه

الموسيقى، الإنسان، العمارة ومن حولها شبح الحرب. كيف يتمكن الرسام من ضبط إيقاع توتّره الروحي لينال في خضمّ ذلك النزاع حصته من جمال مهدد بالزوال؟

سؤال صعب يمكن لرسام وصل بفنه إلى حافات التجريد مثل عبدالله الشيخ أن يجيب عليه. سعة خبرته بالمواد وتمرده على النظريات المحلية المتاحة ومهارته في الاستسلام لخياله وكفاءة يده التي شغفت بالتقنيات الحديثة، كلها عناصر أهلته لأن يقف أمام العصف بقوة دفاعه عن الجمال.

المتمرد بعصا المايسترو

أخذ الشيخ من المحترف الفني العراقي الشيء الكثير، غير أنه تحرر منه حين أنصت إلى الهمس الذي ينزلق على أعشاب الصحراء حاملا إلى الأفق نداءات خفية وحين تمكن من استيعاب تجارب الفنانين العالميين الذين تأثر بهم وألهمته رسومهم وفي مقدمتهم الأميركيان روبرت راوشنبرغ وجاسبر جونز.

لم يستسلم لنداء البيئة التي هو ابنها بقدر ما حاول أن يطوّعها لنداء حلمه الداخلي. لم يسع إلى التشبه بها بالرغم من إعجابه بمفرداتها بل سعى إلى أن يظهرها كما لو أنها جزء من صنيعه الفني.

الحيلة ذاتها سيمارسها مع الإنسان. الظل الذي يظهر شبحيا في عدد من أعماله كما لو أنه على أهبة الاستعداد للمغادرة. بالنسبة إلى الشيخ فإن أثر الإنسان هو بمثابة خلاصة وجود.

تحيط فكرة الأثر المكان والإنسان بما تنطوي عليه من خيال تصويري، هو في حقيقته أشبه باستعادة حلمية لأحداث يمتزج من خلالها الواقعي بالوهمي ليصنعا تاريخا مجاورا. غير أن الموسيقى هي شيء آخر. كان تأثير الموسيقى حاسما في حياته.

عبدالله الشيخ هو من أكثر الفنانين العرب الذين تعلموا كيف يمكن أن تنتج المعادلات الرياضية جمالا، لا يخضع لما هو متداول من وصفات جاهزة. كل ضربة إيقاع هي بالنسبة إليه إيذانا بولادة أثر خالد. وهو ما جعله ينظر إلى الصنيع الفني باعتباره جزءا من ملحمة البقاء. لديه ما يكفي من الأسباب لكي يمشي في أثر جده السومري جلجامش.

عبدالله الشيخ هو الرائد الحقيقي للحداثة الفنية في المملكة العربية السعودية، غير أنه لا يعتد كثيرا بذلك اللقب. تلك مسألة لا تدخل في حساباته وهو الذي لا يرغب في أن ينافس أحداً.

كنت سعيدا بلقائه ذات مرة. لكن أين ومتى جرى ذلك اللقاء الذي لا يزال ينفث هواءه في ذاكرتي فهو ما لا أتذكره. سرّني يومها أنه لا يزال ممسكا بعصا المايسترو وهو يتوقع أن الموسيقى ستنبعث من حولنا في أيّ لحظة.

أثر الإنسان هو بمثابة خلاصة وجود (لوحة لعبدالله الشيخ)
أثر الإنسان هو بمثابة خلاصة وجود (لوحة لعبدالله الشيخ)

متعة الساحر في شغبه

ولد عبدالله الشيخ عام 1936 في بلدة الزبير بمدينة البصرة، جنوب العراق. أنهى دراسة الرسم في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1959.

بعدها درس فن التصميم في بريطانيا وتخرج عام 1965. تأخر في إقامة معرض شخصي حتى عام 1982 وهو المعرض الذي أقامه في مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية. يُعتبر معرضه “أشياء من هذا العصر” الذي أقامه عام 2007 خلاصة تحولاته الفنية عبر أكثر من عشر سنوات حيث ضم ذلك المعرض تجاربه بدءا من عام 1995.

يمكن القول إن الشيخ هو رائد التجريب الفني في السعودية. من خلال رسومه يمكن رصد تحولاته الفنية التي كان يعبّر من خلالها عن انتمائه إلى العصر، من غير أن تتمكن منه عقدة الهوية وهو الذي كان حريصا دائما على أن يتماهى مع تأثير المكان بقيمه الجمالية الخاصة.

غير أن الشيخ استطاع أن يحرر تلك القيم من سكونية إيقاعها حين تمكّن من تطويعها ومن ثم استدراجها إلى مناطق خيالية تتيح له القيام بنزهاته المريحة التي لا ترتبط بهدف بعينه.

بالنسبة إليه لم يكن وصف المكان هدفا بل كان يستعمل مفردات ذلك المكان لتكون جزءا من عالمه الجمالي الذي صار ينشئه مشدودا إلى وعد إنساني لا ينضب بالمتعة.

في بداياته مارست مفردات العمارة المحلية سحرها عليه فكان يرسم القباب والأهلّة والأقواس وسواها من المفردات التي وجد فيها ضالته التجريدية من زاوية هندسية وهو ما جعله قريبا من إلهام الزخرفة الذي نقله إلى مستوى الإحساس بالإيقاع البصري الذي يهب الموسيقى أشكالا تجسدها كما لو أنها وقائع مرئية.

في مرحلة لاحقة صار الرسام يزاوج بين النظرة الواقعية وطريقة صياغة الواقع باعتباره حدثا غرائبيا. وهو ما جعله قريبا من السريالية من غير أن يكون سرياليا كاملا. أما حين انتقل إلى ما يمكن أن يُسمّى بالتجريدية العضوية فإنه صار قادرا على إعادة صياغة المرئيات لتظهر في رسومه كما لو أنها أشكال مستقلة، التقطها الفنان من العدم.

لم ينج شيء من شغبه الذي يعبّر عن شغفه بثلاثيته الخالدة “الموسيقى، الإنسان، العمارة”.

بقدمي جندي ضائع

المزاوجة بين النظرة الواقعية وطريقة صياغة الواقع باعتباره حدثا غرائبيا (لوحة لعبدالله الشيخ)
المزاوجة بين النظرة الواقعية وطريقة صياغة الواقع باعتباره حدثا غرائبيا (لوحة لعبدالله الشيخ)

يقول عبدالله الشيخ “أتصوّر أن كل خطوة أثناء رسم اللوحة هي تجربة جديدة بحد ذاتها، وهذه التجربة قد تتحوّل إلى مشكلة، أو لنقل أحجية أثناء الرسم. فيبدأ الرسّام بالعمل على حلّ المشكلة أو حلّ الأحجية، وحين يصل إلى وضع الحلّ، فإنه يشعر بلذة كبيرة، هي اللذة التي يجدها كل فنان حين يقتنع بأن عمله الذي يقوم به قد أشرف على الانتهاء، وهذا ينطبق على كل أنواع الفنون والفنانين”

ذلك وصف بليغ للرسم باعتباره حالة نفسية. الرسام هنا يلعب دور الصانع الذي يبحث من خلال صنيعه عن حل للغز، هو في حقيقته لغز حياته باعتباره رساما. يتضمن ذلك الحل على معنى أن يكون المرء رساما في عالم يعيش تحولاته على وقع الخوف والذعر والقتل والخراب المبيت.

الحرب كانت واحدة من أشد الصدمات تأثيرا على أسلوب الشيخ في البحث عن حلول لمشكلاته الشخصية في ما يتعلق بوظيفته رساما. غزارته في إنتاج أعمال فنية تدور حول محور الحرب كانت تعبيرا عن رغبته في الاحتجاج على ما بدا له كارثيا من أحوال العالم العربي بعد احتلال الكويت والحرب التي دمرت العراق في السنة الأولى من تسعينات القرن الماضي.

لقد مشى الشيخ يومها على أرض الرسم بقدمي جندي ضائع. تغير العالم فتغير الرسم. لجأ الفنان يومها إلى استعمال المزيد من التقنيات التي تشرك العالم الواقعي شاهدا في الإدانة.

أعمال الشيخ الفنية في تلك المرحلة كانت تمزج بين الهجاء والرثاء. هجاء الواقع ورثاء ذاكرته التي انفصل عنها.

يطارد الشيخ ألغازا وأحجيات غير أن عينه تظل في الوقت نفسه مصوبة في اتجاه الإنسان. تلك الفريسة التي تتجاذبها قوى خفية.

التجريد وهو خلاصه

غنائي عذب عبدالله الشيخ وهو في الوقت نفسه محتج عنيد. رسومه تشبهه. هي أثره الذي يتشبث به منصتا لموسيقى روحه التي تنتقل بخفة بين الرقة والصخب. لم ينسف التجريد طريقه في اتجاه الواقع، كما أن الواقع لم يقف بينه وبين الذهاب إلى حديقة أحلامه التي تظل مفتوحة على التوقعات التي تقترحها مواد صارت تتدخل في صياغة مصير الرسم.

الشيخ هو رسام صاحب رسالة إنسانية.

ما يميزه عن سواه أنه لا يرى للإنسانية من حل للخروج من مأزقها إلا عن طريق الجمال الخالص. في أشد حالاته واقعية يظل الرسام مسكونا بتجريد، هو التعبير الأمثل عن خلاصه.

رسوم غنية بالتفاصيل (لوحة لطه الصبان)
رسوم غنية بالتفاصيل (لوحة لطه الصبان)

طه الصبان الذي أنتج رسوما تليق بمكة

أن ترسم مدينة ذلك ما يمكن أن يفعله أيّ رسام. ولكن حين تكون “مكة” المقدسة هي تلك المدينة فذلك اختبار عسير. ذلك لأن المرء يكون فيها منظورا إليه من قبل قوى لامرئية يسعى إلى اقتناص فرصة النظر إليها.

سيكون الرسام في حاجة إلى أن يرسم روح المكان ليراه. ذلك المكان الذي يشفّ عن احتمالات بصرية عديدة غير مباشرة، ما يعني استسلام الحواس لحدس، هو بوصلتها في سفر يغص بالمفاجآت. ذلك ما يمكن أن يفعله المقدس الذي لا يملك المرء سو الاستسلام لمشيئته.

يتسلق دروب مدينته

أدرك طه الصبان، ابن مكة ورسامها منذ صباه، أن تعلقه بالمدينة التي ولد فيها سيتحكم بمستقبله رساما لا يكتفي برسم ما يراه بل يتخطى تلك المهمة التقليدية إلى ما يملأ كيانه برعشة الوجود. ذلك الخيط الوهمي الذي يرتجف قلقا كلما أقبل على الرسم كما لو أنه يؤدي صلاته الأخيرة.

لا يكفي أن يكون المرء ابن المكان ليراه على حقيقته. سيكون على الصبان أن ينصت إلى الأصوات التي كان يسمعها منذ طفولته لا ليتسلق إيقاعها.

في رسومه تصعد الإيقاعات عموديا كما الأدعية. حدث لم يكن غريبا عليه. لكنه من خلال الرسم يهبه طابعا تصويريا.

تنتقل المدينة من شكلها الأفقي لتأخذ شكلا عموديا يتماهى مع خيال زائريها.يتسلق الصبان دروب مدينته بدلا من أن يمشي فيها.

يرينا الرسام تفاصيل رحلته إلى الأعلى كما لو أنه يصف سعادة ليست مكتملة. “مكة ليست هناك ولكنها هنا” يسمع الرسام الصوت فلا يلتفت. إنه يعرف أن المكان الذي يسكنه لن يكون يعيدا عن خيال يديه.

يعرف الصبان أنه يرسم ما لا يُرسم. لقد وهبه القدر مدينة لا تُرسم. فهي تقيم خلف هالات قداستها. إنها تنعم بذلك المزيج من الأصوات والروائح والمشاهد الذي في إمكانه أن يخفي كونا من المرئيات من غير أن يترك له أثرا.

سيندم لأنه لم يكن تجريديا منذ البداية. غير أن الصبان رسم حياة عاشها بوله عاشق. كان حجازيا بطريقة تكشف عن عمق صلته بالأشكال المعمارية التي تحيط به، ولكنّ نغما يتسلل من رسومه لا بد أن يعيدنا إلى الإيقاع الشخصي الذي يذكر بعالمه.

خلق الصبان عالما ما ورائيا بشبه بذلك العالم الذي احتضنه منذ طفولته.

خارج التاريخ تقف حكايات طه الصبان (لوحة لعبدالله حماس)
خارج التاريخ تقف حكايات طه الصبان (لوحة لعبدالله حماس)

ابن جيل تجريبي

ولد طه محمد صالح الصبان في مكة عام 1948. سافر عام 1966 إلى بيروت ومن بعدها إلى روما لدراسة الفنون، غير أن ظروفا شخصية قاهرة أعادته إلى وطنه من غير أن يحقق حلمه. التحق بالعمل في وزارة الإعلام. بعدها سافر إلى بريطانيا لدراسة الإخراج التلفزيوني وكان حريصا على تطوير هوايته في الرسم بعد أن شارك في جدة بتشجيع من الفنان الرائد عبدالحليم الرضوي في معرض جماعي عام 1967. ثقة الصبان بما يفعل دفعته إلى إقامة معرضه الشخصي الأول في بريطانيا عام 1975. وهو العام نفسه الذي أسس فيه بيت الفنانين بجدة. بعد سنة أقام الفنان معرضه الشخصي الثاني في بريطانيا.

أقام الصبان معارض شخصية في الشارقة وجدة وبيروت. كما شارك في ملتقيات فنية عالمية عديدة. صدر عنه كتابان هما “طه الصبان ملامح من المشوار” عام 2001 و”فن طه الصبان” عام 2007. أنشأ الفنان مسابقة وجائزة تحمل اسمه خصصها للفنانات السعوديات الواعدات.

ينتمي الصبان إلى جيل الحداثة الثاني في المملكة بعد جيل الحداثة الرائد الذي يعتبر عبدالحليم الرضوي أبرز رموزه. ومن المؤكد نقديا أن جيل الصبان هو الذي أرسى قواعد الحداثة في المحترف السعودي بعد تحرّره من قيود الموروث الشعبي والتصوير التقليدي للعادات والتقاليد وتمثله التجريبي للأساليب الفنية الحديثة.

في بداياته مشى الصبان على الطريق الذي اختطه معلمه الرضوي الذي كانت تربطه به علاقة خاصة، غير أنه سرعان ما خرج عن ذلك الطريق لينتقي بحريّة مصادر إلهامه في الفن العالمي. وستثبت النتائج الفنية التي توصل إليها أنه كان محقا في تمرده. لقد شكلت تجربته أساسا متينا لرؤية معاصرة لم تتخل عن حمولتها المحلية من الأفكار والصور.

الصبان هو ابن جيل تجريبي أخرج المحترف الفني السعودي إلى العالم.

يصف طريقا إلى السماء "بإيجاز وإفاضة ” يرسم الصبان وهو يفكر في الرسم بالطريقة نفسها. كيف أمكنه الجمع بين نقيضين، يشعر كل واحد منهما بنقصه إزاء الآخر؟

ببساطة يمكن القول إن الفنان يوجز حين يتعلق الأمر بالرواية الشاملة التي تتداولها الألسن ويفيض حين يقف في مواجهة الحكايات الصغيرة التي لا يعرفها أحد سواه.

لغز ذلك التناقض يكمن في التفاصيل. فالصبان الذي ولع برسم الأمكنة لم يخطئ طريقه فيكون بمثابة العين التي يرى من خلالها الآخرون أحلامه. كانت عينه الداخلية هي الحكم دائما. فهو يرسم ما يراه وإن كانت المرئيات التي يظهرها عسيرة على النظر بالنسبة إلى الآخرين الذين يقفون في الموقع ذاته الذي يقف فيه.

يفرّق الفنان حين يرسم بين فعلي النظر والوصف. فهو لا يصف ما ينظر إليه لأنه في حقيقة ما يفعل إنما يعيد إنتاج المشهد الذي يراه بما يناسب أحلامه. أليس من حقّه أن يحلم رسومه قبل أن يرسمها؟ ذلك يتيح له أن يرسم ذلك المشهد بمعزل عن واقعيته. سيكون عليه حينها أن يشذّبه من ثرثرته الفائضة، بمعنى أنه يوجزه أما حين يرسمه فإنه سيفيض في التعبير عن مشاعره التي لن تكون قاسما مشتركا بينه وبين الآخرين.

سيُقال دائما إن طه الصبان رسم مكة، مدينته. وهو قول ينطوي على احتمالات كثيرة، بعضها يغطيه الغموض. ذلك لأن الفنان لم يرسم مكة المحايدة، بل رسم مكة التي هي مدينته. بمعنى أنه رسم ما لا نعرفه عن مكة. رسم حياته، الطفولة والصبا والشباب ورسم الحكايات التي ورثها وأضاف إليها شيئا من خياله. رسم مكّته، وهي طريقه الخاصة إلى سماء، لم يصفها أحد له من قبل. فهي سماؤه مثلما الأرض مكّته.

مفردات حياة سرية

كما المنمنمات، رسوم طه الصبان غنية بالتفاصيل. غير أنها تفاصيل لم ترسم إلا من أجل أن تحقق صدمة النظر الأولى. سيكون من الصعب إقامة العلاقة بين تلك التفاصيل. إجراء غير ضروري في ظل الشعور بنشوة النظر. غير أن المرء ما أن يصحو من تلك النشوة حتى يكتشف أن الرسام قد أوقعه في فخ، مزج الواقعي بالخيالي وما من شيء حقيقي.

بيسر يمكن القول إن الصبان لا يستعيد في رسومه شيئا من الواقع. هناك تفاصيل تُذكّر بالواقع غير أنها حين تُرسم تفك ارتباطها بذلك الواقع. إنها تفاصيل شخصية يمكنها أن تكون مجرد مفردات تجريدية يمكن النظر إليها بمتعة من غير استعادة أصولها.

تشكل رسوم طه الصبان مصدرا للتعرف على معجم لحياة مكيّة شخصية غطت عليها الطقوس العامة. خارج التاريخ تقف حكاياته. وهي حكاية تقف خارج المألوف. فالصبان يرسم من أجل أن يجد فكرته عن العالم لا من أجل أن يصف الفكرة التي كانت تدور من حوله.

في كل لوحة من لوحاته يتعرّف المرء على مفردات حياته السرية. ذلك الفتى المكي الذي سعى إلى أن يكون رساما بالرغم من كل ما أحاط به من أسباب الإحباط.

أنتج طه الصبان فنا رفيعا يليق بمكة.

عبدالله حماس الجنوبي الذي لا يكف عن الرسم

يرسم ما يملأ كيانه برعشة الوجود (لوحة لطه الصبان)
عبدالله حماس يرسم حكايات الناس المسافرين (لوحة لعبدالله الشيخ)

 في وقت متأخر سيكون عليه أن يكتشف أن كل ما فعله في حياته إنما هو محاولة لمعرفة موقعه من الجغرافيا.

ولأن الرسم لم يكن وسيلته بل غاية لم يكن يرغب في أن يهتدي إلى وصفتها السحرية الكاملة فقد ظل يرسم كما لو أنه ينشئ متاهة يقيم فيها الناس الذين عرفهم والأمكنة التي عاش فيها والأدعية التي ضربه هواؤها والمسافات التي عبرها تاركاً أجزاء من عاطفته عليها إشارات في طريق العودة.

أخيرا اكتشف أن قدره الجغرافي يلاحقه فاستسلم للـ”جنوبي” الذي يقيم في داخله وهو الذي كان يلهم يديه صورا لعمالقة مسكونين بالشعر.

حكايات الناس المسافرين

عبدالله حماس هو الجنوبي الذي طبع الرسم الحديث في المملكة العربية السعودية بشيء رفيع ومتعال من الشغف المجنون بالمساحات المفتوحة. لا تنتهي لوحته حتى تسلمه إلى لوحة أخرى تكون مكمّلة لها من غير أن تخفف من حركته التي تسرع به إلى لوحة أخرى.

عدّاء مسافات طويلة والرسم أرض السباق التي لا تكف عن إلهام قدميه الرغبة في المضي إلى الأقاصي. يرسم روحا متعطشة إلى الرسم الذي يهب الأشياء خيالا ليس فيها. المعادلة معكوسة لدى حماس. فبدلا من أن يستفزه خيال الأشياء نجده يستعين بالرسم ليكسب تلك الأشياء خيالا. وهو عن طريق تلك المحاولة يضم الأشياء إلى عالمه. يعلن أنه عن طريق الرسم يمكنه أن يؤلف عالما هو مزيج من أزمنة اخترقها وأمكنة عاش فيها.

أهذا ما يُسمّى الحنين الذي يسعى حماس إلى أن يخلص له ويتخلص منه في الوقت نفسه؟

يرسم حماس حكايات الناس المسافرين وهو إذ يرسم معرضا كاملا على قطعة قماش واحدة يتجاوز طولها الثلاثين مترا فلأنه يريد أن يسترسل من غير أن تعكّر صفو سفره فكرة المساحة التقليدية للّوحة الواحدة. حدث ذلك في بينالي القاهرة عام 1995. يومها طلب من إدارة البينالي أن توزع لفافته على هيأة لوحات من أجل تيسير مسألة العرض.

عبد الله حماس هو الرسام العربي الوحيد الذي يشعر المرء حين يرى أعماله أنه على سفر. وهنا يعود ضمير الغائب على الرسام والمتلقّي معا.

مع عبدالله حماس سيكون علينا لاحقا أن نتحدث عن ريفيرا أو سيكيروس العربي.

يرسم ما يراه وما يتذكره

ولد عبدالله حماس بن سلطان العسيري عام 1953 في قرية “آل عاصم” القريبة من مدينة أبها جنوب المملكة العربية السعودية. انتقل بعد ذلك إلى تبوك مع والده الذي كان يعمل عسكريا. عام 1970 انتقل إلى الرياض للدراسة في معهد التربية الفنية. عمل بعدها مدرسا للتربية الفنية في أبها وجدة لمدة 37 سنة. أقام أول معرض شخصي عام 1974 في الرياض.

في بداياته أعجب حماس بتجربتي جورج براك وبابلو بيكاسو وفي الوقت نفسه حظيت تجربة الفنان الهولندي بيت موندريان باهتمامه. الأمر اللافت أنه لا يزال يجد في نفسه ميلا إلى التكعيبية والتجريد بالرغم من أنه استطاع ومنذ زمن طويل أن يشكل أسلوبه الخاص الذي يذكّر به ويُسمّى باسمه. وكما يبدو فإن تحرره من عقدة الأسلوب وهبته القدرة على أن يكون مستقلا وحرا في معالجاته البصرية للمشاهد التي هي ليست واقعية تماما بحكم لجوئه إلى الذاكرة.

فـ”حماس”  يرسم ما يراه غير أنه في الوقت نفسه يرسم ما يتذكره. وهو إذ يجد نفسه أمام صورتين للموضوع نفسه فإنه يحاول أن يدمجهما معا مما يمكن أن يقرّبه من مدارس فنية عالمية، كان قد أعجب بها في أوقات سابقة وأثّرت في طريقته في التفكير في الفن.

وإذا ما كان تأثره ببيئة عسير قد طبع أعماله بعناصر بيئية محددة فإن ثقافته الفنية العالية قد فتحت أمامه الدروب في اتجاه معرفة التجارب الفنية العالمية ودراستها والتعمق في تذوقها واستخلاص الدروس منها.

هذا فنان أخلص لبيئته المحلية غير أنه في الوقت نفسه كان حريصا على الانفتاح على العالم.

سرديات بصرية ناقصة

حماس نموذج الفنان الذي تغويه المساحات (لوحة لعبدالله حماس)
حماس نموذج الفنان الذي تغويه المساحات (لوحة لعبدالله حماس)

يلجأ عبدالله حماس إلى حيل شكلية مختلفة من أجل أن يختزل حكايات الناس المسافرين إلى نوع من الصمت، يكون بمثابة تمهيد للفضاء التصويري الذي يضمّ ما يراه مناسبا من أجل أن يكون فعل الرسم خالصا. ذلك ما يدفع به إلى تكبير أو تصغير المشهد بعيدا عن حجمه الحقيقي. فواقعة الرسم بالنسبة إلى “حماس″ هي التي تفرض إملاءاتها. ولأن الفنان لم يلزم نفسه بالواقع فإنه غالبا ما يقيم علاقات بين أشياء ومشاهد لا صلة واقعية تربط بينها وهو عن طريق تلك العلاقات ينجز ما كان الشاعر الأميركي أرشيبالد مكليش يسميه بـ”الانسجام الكوني”. يحتكم الفنان في ذلك إلى مزاجه الغامض وإلى حساسيته المرهفة التي تجعله قادرا على أن يضع الأشياء والكائنات في مكانها الحقيقي. يقول الرسام والناقد أسعد عرابي في وصف السلوك الفني لدى الفنان “يتعامل حماس مع السطح التصويري بطريقة سردية وتداعيات متلاحقة لا تقبل التوقف، تماما مثل تربيعات السراميك الملوّن على الجدار ومثل صفحات ألف ليلة وليلة، وهي تقبل مثلها التاريخ في ليال منفردة”. بالمعنى الذي يشير إلى تمكّن الفنان من قول كل شيء في لوحة واحدة، من غير أن يغلق علاقتها بما سبقها وما سيليها من لوحات. لوحته قائمة بذاتها وهي في الوقت نفسه جزء من ملحمة فنية وروحية لم تنته بعد. يمكن النظر إلى سرديات عبدالله حماس من جهتين. كمالها ونقصها. وهما حيلتان يمارس من خلالهما الرسام سيطرته على عالم يريده مفتوحا على المجهول.

أطلس ذاكرته المفتوح

لو تُرك الأمر لـ”حماس″ لما رسم إلا لوحات ذات قياسات كبيرة. حتى في اللوحات الصغيرة نسبيا فإن الفنان يعدنا برسم جداريات كبيرة. هناك توق لدى هذا الفنان لكي يحيط بالعالم بمفهوم السعة أو ما يمكن أن أسميه “ضد ــ المنمنمات’” بما يدفعه إلى استبدال المجهر بالتلسكوب. إنه ينظر من خلال عدسة مكبرة ليرى العالم في الحجم الذي يرغب في أن يكون عليه. لو أتيحت له الفرصة لكان دييغو ريفيرا أو ديفيد ألفارو سيكيروس العربي. هو نموذج الفنان الذي تغويه المساحات التي وإن كان لا يلجأ إلى ملئها فلأنه يشعر بامتلائها وغناها التعبيري. وهو ما جعله في أحيان كثيرة يندفع إلى التجريد، لا رغبة منه في الظهور بأسلوب جديد بل استسلاما منه للثراء الجمالي الذي تظهره المساحة الفارغة التي يمتحن فيها اللون قوة تأثيره البصري.

يلقي “حماس″ نظرة شاسعة على كائناته فتظهر من غير ملامح كما لو أنه يراها من بعيد. يعرفها ولا يريد أن يعرف بها بقدر ما يرغب في أن يُظهر متعته وهو يرسمها. التفاصيل تعنيه وحده ولا تدخل عنصرا في مسألة الرسم. ذلك ما يفعله أيضا حين يرسم المدن. فتلك المدن لا تكشف عن ذاتها إلا للعين الخبيرة بها. إنها تشير إلى رسامها الذي صنع من تفاصيلها الغائبة أبجدية للغة عاطفته التي سعى إلى لجمها. فهو الوحيد الذي يعرف ما معنى أن تتحول الحجارة والنخلة والغيمة إلى مفردات في لغة بصرية مراوغة، تتسلل لذة استعمالها من الفنان إلى المتلقي.

الناس التي تشبه مدنها والمدن التي تشبه ناسها هي مفردات في أطلس الذاكرة الذي يصر عبدالله حماس على إبقائه مفتوحا على سعة ما في الكون من مفاجآت ذكية.

إشارات

يعتبر عبدالحليم الرضوي (1939) رائدا للفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية دون منازع. فهو أول مبتعث سعودي إلى الخارج في المجال الفني. درس في إيطاليا على نفقته في البدء ثم من بعد ذلك على نفقة الدولة وتخرج عام 1964. عاد الرضوي ليكمل دراسته بشهادة عليا عام 1979.

نظّم عبدالحليم الرضوي أول معرض في تاريخ المملكة وذلك في نادي البحر الأحمر بجدة عام 1965.

“أما ثاني معرض فني للوحات التشكيلية في المملكة فقد كان ذلك الذي أقامه بنادي النصر في الرياض عام 1967 الفنان السعودي محمد موسى السليم المولود في “مرات” بوسط السعودية عام 1938 والمتوفّى وحيدا داخل شقته في إيطاليا في يوليو 1997. ويعتبر السليم أوّل من أسس دارا للفنون لتأمين احتياجات الرسامين والفنانين المحليين، علما بأن الرجل كان قد مارس تدريس مادة التربية الفنية في المدارس السعودية لسنوات طويلة، وتعاون لسنوات أخرى مع التلفزيون السعودي كمهندس ديكور، وهو العمل الذي منحه بعثة دراسية إلى إيطاليا للتخصص في الديكور، قبل أن يصبح مفتشا للتربية الفنية ويحصل عام 1970 على بعثة إلى أكاديمية الفنون الجميلة بمدينة فلورنسا الايطالية”

(عبد الرحمن السليمان “صحيفة الحياة 30/1/2004).

ولدت صفية بن زقر عام 1940 في جدة. أكملت دراستها الأولية في القاهرة وانتقلت إلى بريطانيا لتدرس هناك ثلاث سنوات ثم عادت إلى القاهرة لتدرس الرسم عن طريق دورات خاصة. تعتبر بن زقر رائدة للفن في السعودية على الأقل في مستواه النسوي.

تعتبر منيرة موصلي (1954 ــ 2018) واحدة من أهم فنانات الجيل الثاني اللواتي ظهرن متأثرات بتجربة بن زقر.

خرجت اهتمامات فناني الجيل الحالي من دائرتي الرسم والنحت إلى فضاء الفنون المعاصرة المفتوح على تنوع في أساليب التعبير عن العلاقة التفاعلية بالفن من جهة وبالجمهور من جهة أخرى. هناك اليوم سطوة للأفكار على الممارسة الفنية ليست مسبوقة. أذكر من أبناء الجيل الحالي على سبيل المثال وليس الحصر أحمد ماطر، عبدالناصر غارم، شادية عالم، منا الضويان، سارة أبو عبدالله، زهرة بوعلي، علا حجازي.

ينشر المقال بالاتفاق مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

13