ثلاثة عقود من تصنيع سلال السمار في نابل التونسية

رغم إصابته بإعاقة في قدميه تمنعه من الحركة، فقد أثبت التونسي عبدالكريم كوتي تفوّقه في صناعة سلال مدينة نابل التقليدية. ولئن كان الحرفي التونسي لا يستعمل سوى وسائل بسيطة ومواد أولية ليفوز بلقمة العيش منذ نحو ثلاثين عاما فإنه من القلائل الذين ما زالوا يتفنّنون في تطويع مهاراتهم للمحافظة على حرفة تكاد تصبح مهجورة.
الخميس 2015/05/07
عبدالكريم يتغلب على إعاقته ويصنع تحفا من مادة السمار

في ركن من منزله المتواضع، شرع المواطن الأربعيني التونسي، عبدالكريم كوتي، في تصفيف السّمار، وهي عشبة تنبت في شكل خيوط على ضفاف الأودية، وتجفّف لتصبح مادّة أولية تصنع منها السلال المسماة في تونس بـ”القفاف”.

بعد تصفيف خيوط السمار يضعها كوتي في قدر على النار، ثمّ يصبغها بألوان مختلفة قبل أن يجفّفها، ثم يجدلها بأصابعه الرشيقة، ليصنع ضفائر متتابعة في التفافها، يخيط منها في نهاية المطاف “قفة” (سلّة) نابل الشهيرة.

يعرف عبدالكريم في منطقته، “دار شعبان الفهري” بمدينة نابل شمال شرق البلاد، بصناعة “القفّة النابلية”، التي يتشبث بها كثير من التونسيين، رغم غزو الأكياس البلاستيكية للأسواق.

القفّة لم تفقد بريقها، فهي حاضرة تقريبا في كلّ بيت تونسي. ويتزايد استعمال هذه السلال في شهر رمضان، الذي يحل بعد حوالي شهر ونصف الشهر، من الآن، ولذلك تجد عبدالكريم يشتغل هذه الفترة بجد وحزم للاستجابة لهذه الطلبات الموسمية للحرفاء.

الجدير بالذكر أنّ التونسيين يعودون خلال شهر رمضان وبعض المناسبات الدينية مثل عيدي الفطر والأضحى، إلى استحضار تقاليدهم وعاداتهم بدرجة أكبر بكثير من سائر أوقات العام، سواء بارتداء الملابس التقليدية أو باستعمال أدوات تراثية، قد يهملونها سائر الفترات.

وفي صناعة القفّة، يقضي عبدالكريم، وهو متزوج وتعمل زوجته في جني النارنج، أغلب ساعات يومه دون كلل ولا ملل في غرفة صغيرة بمنزله وباستعمال أدوات عمل بسيطة.

تطويع أعشاب الأودية والسباخ في تصنيع منتجات تقليدية

يقول “أشعر بقلق كبير إذا ابتعدت عن عملي هذا، فصناعة القفّة تعني لي الكثير، فحتى في أيّام راحتي أجد نفسي وقد تسلّلت إلى غرفة العمل، فأنا غير قادر على الابتعاد طويلا عن حرفتي”.

يمتهن عبدالكريم هذه الحرفة منذ 30 عاما، وهو يحاول تنويع منتجاته لتساير الطلب، فيصنع القفّة التي عادة ما تستعملها العائلة التونسية لوضع مشترياتها فيها بطريقة صحية، على خلاف الأكياس البلاستيكية المصنعة معظمها من خامات كيميائية مضرة.

كما يتفنّن الكوتي في صناعة حقائب اليد النسوية من مادة السمار ذاتها، فضلا عن أبسطة يسميها التونسيون الحصيرة، والتي تستخدم عادة مفروشات في المساجد أو توضع على الحائط وتستعمل أيضا كسجاد لأداء الصلاة.

يضيف أن منتجاته “يتزايد عليها الطلب يوما بعد آخر. أتعامل مع محلّات في محافظة نابل وخارجها. أتقن عملي فهو كل حياتي، وأنتج من 15 إلى 18 قفة في الأسبوع”. ويبلغ السعر المتوسط للقفّة الواحدة حوالي 15 دينارا تونسيا، أي ما يعادل نحو 8 دولارات أميركية.

وفي عام 2001، بدأ عبدالكريم مشروعه الخاص بفضل حصوله على منحة من برنامج حكومي لمساعدة من يعانون من إعاقة، تتمثل في مواد أولية تمكنه من صناعة القفاف، وفي العام التالي حصل على قرض ثان من برنامج حكومي آخر لدعم موارد الرزق.

عبدالكريم، الذي شارك في العديد من معارض الصناعات التقليدية، يقول إنه قضى ما يفوق 30 سنة في هذه الحرفة، التي ورثها عن خاله منذ كان عمره 17 سنة، لينتقل فيما بعد ذلك إلى العمل بمفرده وليأخذ في تطوير حرفته ومنتجاته شيئا فشيئا. وللقفة تاريخ في تونس، حيث بدأت صناعتها من سعف النخيل قبل أن تصل إلى مرحلة السمار.

ووفقا لأستاذ التاريخ المعاصر فـي الجامعة التّونسية، يحيى الغول، فإنّ “ميزة القفّة النابلية تكمن في المادّة الأولية التي تحاك منها القفاف وهو السمار الذي هو نبات طبيعي يوجد فـي السباخ وعلى ضفـاف الأودية، ويـتم حفظه فـي بداية فـصل الصّيف، ومن ثم تلوينه وصبغه مـن قـبـل الحـرفييـن”.

ويتابع الغول أنه “في التراث القديم كانت القفّة التّونسية تصنع من سعف النخيل، إلا أنه في عام 1947 تمّ تأسيس ديوان الفنون التونسية الذي اعتنى حينها بالصناعات التقليدية، وقام بتطوير بعض الصناعات ومنها الحصير والقفة المصنوعة من السمار”.

ويختم الأكاديمي التونسي بأنه “في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كانت القفّة تستخدم في وضع المشتريات من خضر ولحوم، ومع بروز الأكياس البلاستيكية أصبحت تعتمد لأغراض أخرى مناسباتية بالأساس، مثل الزيارات العائلية الخاصة”.

20