ثلاثة مسلسلات في "حفرة"

طالما نحن في حجر أشبه بالجُحر العميق الذي قد يمتدّ إلى يوم الحشر، فمُشاهدة طيبة لـ”الحفرة” ومُشتقاتها.
الخميس 2020/04/23
قناة متخصصة في بثّ الإعادات وخاصة المسلسلات

قبل بداية الموسم الرمضاني بنحو أسبوع تقريبا، أعلنت قناة “نسمة” التونسية الخاصة، اعتزامها بثّ ثلاثة مسلسلات، لتشرع في بثّها تباعا..

وبالمناسبة باتت قناة “نسمة” منذ تأسيسها في العام 2007 المتخصّصة رقم واحد في تونس من حيث قدرتها على بثّ الإعادات.. فالإعادات.. ومن ثمة جني الأرباح المُتأتية من الإعلانات بشكل لافت ومُباغت ومُبهم أيضا تحسدها عليه، ولا نقول تغبطها فيه، بقية المحطات الفضائية بالبلد سواء منها العمومية أو الخاصة.

قناة الإعادات هذه، شرعت قبل مدة ومن خلال إعلان تلفزيوني بثّته ليلا ونهارا، في تحفيز مُشاهديها لمُتابعة أحداث مُسلسلاتها الثلاثة. اثنان منهما قديمان كقدم فاجعة قتل قابيل لأخيه هابيل، هما “يوسف الصديق” الإيراني بدبلجته العربية و”حريم السلطان” التركي بدبلجته السورية، وآخر جديد، أخيرا، عنوانه “الحفرة” وهو أيضا مسلسل تركي، لكن بدبلجة تونسية هذه المرّة.

فما الرابط بينها، يا تُرى؟ بحثت وبحثت، فوجدت أن الرابط الوحيد بين المسلسلات الثلاثة هو “الحفرة”. أجل “الحفرة” أو الجب، وما أشقانا مع الجب!

فكما ألقى الإخوة العشرة بيوسف في البئر واختطفوه من بين أحضان أبيهم يعقوب، ليفقد بصره كمدا وحزنا على ابنه النبيّ المُختار، وكما أعدم السلطان سليمان ابنه مصطفى جراء دسيسة من إحدى جواريه التي باتت السلطانة بدهائها قبل ذكائها وجمالها، ليتّم دفن الأمير وليّ العهد الموعود بالعرش في “حفرة” منسية بمدينة بورصة التركية. ها أن مسلسل “الحفرة” يأتي اسما وعنوانا، بل وشعارا لدسائسنا المُتوارثة كابر عن مُكابر ليُلخّص علاقتنا الأزلية بـ”الحفرة” (الجب) وبالبئر والقبر.

وتروي أحداث المسلسل التركي الجديد “الحفرة” في حلقاته الأولى قصّة عائلة تركية، مختصّة في بيع السلاح، تعيش في حي اسمه “الحفرة” بضواحي إسطنبول غير المُعلنة. إسطنبول بوجهها القبيح البعيدة كل البعد عمّا يُروّج له الإعلام الرسمي عن كونها مدينة السياحة والتراث والتسوّق. إنها إسطنبول الأخرى، إسطنبول الفقر والدعارة والجريمة. إسطنبول السرقات والمخدرات والعاهرات، وإن أتتنا بأخلاق روبن هود الحامي “الحرامي”؟

وإثر مُتابعتي للحلقات الأولى للمُسلسل الجديد “الحفرة” دون الحاجة لمُتابعة أحداث المسلسلين السابق ذكرهما، نتيجة معرفتي ومعرفتنا جميعا بتفاصيلهما إما عبر السرد الدرامي، وإما من خلال ما جاء في الكتب السماوية كحالنا مع “يوسف الصديق” أو الروايات التاريخية كحالنا مع “حريم السلطان”. حينها فقط علمت الخيط الرابط بين المُسلسلات الثلاثة. إنها “الحفرة” ومدى تعلّقنا الشديد بالجب.

أفلا نقول في لهجتنا العامية التونسية عن البيت الحاضن لآمالنا وأحلامنا وحامينا من غدر كل غريب دخيل حتى الفايروس المُستجد “قبر الحياة”! إنها ثقافة الموت، ونحن أحياء/أسوياء!

وطالما نحن في حجر أشبه بالجُحر العميق الذي قد يمتدّ إلى يوم الحشر، فمُشاهدة طيبة لـ”الحفرة” ومُشتقاتها.

24