ثلاثة مشاهد في جدل السعوديين حول الأمر الملكي الأخير

الثلاثاء 2014/02/11

في مسرح الرأي السعودي هذه الأيام ثلاثة مشاهد أعقبت صدور الأمر الملكي بمعاقبة المشاركين في الأعمال القتالية في الخارج والمنتمين إلى جماعات إرهابية أو متطرفة. وفي هذه المشاهد الثلاثة يدور حوار ساخن ومتواصل حيال ما سينتج عن هذا القرار عند تطبيقه بعد ثلاثين يوما من نشره في الصحيفة الرسمية، وما يمكن أن ينتج عنه في المستقبل من تضييق المساحات على حرية التعبير. بل إن هناك من ذهب إلى أبعد من تضييق القرار على حرية التعبير إلى تضييقه على حرية المشاعر نفسها، خاصة وأن هناك الكثير من المتعاطفين مع بعض الجماعات التي أخرجت رؤوسها في خضم ما يسمى بالربيع العربي.

في المشهد الأول يبدو بعض السعوديين، وأنا منهم، مستبشرين ومرحبين بشدة بهذا القرار. وسبب هذا الترحيب هو أن الساحة ستخلو من هؤلاء الأشخاص الذين طالما زايدوا على وطنية الآخرين من جهة وألغوهم أوصنفوهم من جهة أخرى. ونحن في السعودية نعلم يقينا أن تيارات دينية بعينها قسمت المجتمع إلى أكثر من رصيف، فهناك رصيف علماء السلطان ورصيف الجامية ورصيف السرورية ورصيف الليبرالية ورصيف العلمانية إلى آخره من (الأرصفة) التضليلية التي لم يكن مجتمع المملكة يعرفها قبل عشرين سنة على أكثر تقدير.

وهذا التقسيم، الذي لم يكن من وجهة نظري بريئا بأي حال من الأحوال قتل، باسم الدين وتحت عباءته، كثيرا من الأصوات المخلصة وفوت على البلد فرصا يصعب حصرها في التنمية والتقدم واستثمار طاقات الشباب والنساء المهدورة خلف المزايدات والاستقواءات وفوضى الفتوى التي تصدى لها وعاظ قليلو العلم وقليلو الحرص على المصلحة العامة للوطن. وكانت الطامة الكبرى أن بعض المشائخ، المحليين والمستوردين من المنتمين أو المتعاطفين مع جماعة الإخوان، لم يترددوا في اتخاذ مواقف مباشرة وغير مباشرة للدفع بمزيد من مراهقي وشباب المملكة إلى ساحات فوضى الجهاد، التي انتهت بتقاتل أبناء العام في معسكرات سوريا الملتبسة، كما حدث مؤخرا في معسكري داعش وجبهة النصرة.

ولذلك، عودا على بدء، كان الترحيب بالأمر الملكي، أشبه بفرحة الإمساك بطوق النجاة الذي سيخلص السعوديين من الغرق في تربصات ومؤامرات الحركيين الإسلامويين، الذين بدأ، قبل ومع صدور القرار، فتح ملفاتهم إعلاميا واجتماعيا لكشف التباساتهم وخطرهم على الأمن الوطني والسلامة الاجتماعية، خاصة وأن المحسوبين على هذا المشهد السعودي المؤيد بقوة للأمر الملكي بكل أطيافهم يؤكدون على ضرورة أن يعقب هذا القرار أو هذا القانون تفاصيل أكثر تشرح مضامينه وتحدد بدقة أطر وأشكال التعامل القادمة مع من نص البيان على إنتمائهم لتيارات دينية أو فكرية متطرفة.

وهذا هو مدار المشهد الثاني في تناول هذا القرار، وهو اختيار البعض فور صدوره الإمساك بالعصا من النصف. ومن هؤلاء نائب رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في المملكة، الدكتور صالح الخثلان، الذي قال إن تنظيم معاقبة المشاركة في الأعمال القتالية في الخارج وكذلك اﻻنتماء إلى جماعات إرهابية أو متطرفة أمر إيجابي، موضحا في تصريحه أن الأمر الملكي يضع أساساً قانونياً واضحاً يُستند إليه في المحاكم ويحول دون اﻻجتهادات الفردية في التعاطي مع هذه المخالفات، لكن الإشكال، على حد قوله، هو تجريم “الإفصاح عن التعاطف بأية وسيلة كانت” أو الترويج بالقول أو الكتابة “بأية طريقة”، فهذه الصياغة تتيح مجالاً للتوسع غير المحدود في تفسير القرار لمعاقبة أي حديث أو حتى سلوك مهما كان بسيطاً أو عفوياً، مشددا على أن هدف القرار الملكي هو حماية المصالح الوطنية ضد أية ممارسات تهدد أمنه وكذلك سلامة مواطنيه؛ مثل التورط في القتال في الخارج واﻻنتماء لجماعات إرهابية أو متطرفة.

وهذا الرأي لا يختلف عليه، كما أفترض، أحد. الفرق يكمن فقط في شكل التعبير عن ردة الفعل على القرار، إذ أن المؤيدين بشدة للقرار يتماهون مع هدفه وهو حماية المصالح الوطنية، من دون أن يفقدوا اهتمامهم بأن لا يتم التوسع في تفسير هذا القرار من قبل الجهات التنفيذية ويؤدي إلى الحجر الكامل على حرية التعبير.

وهذا يعني أن ممثلي المشهدين الأول والثاني في ساحة الجدل السعودية الصاخبة الآن يتفقون على ضرورة صدور هذا الأمر الملكي ليقطع الطريق على الأجندات المشبوهة والانتماءات الأجنبية ويختلفون قليلا في سرعة الحكم على نتائج القرار. ممثلو المشهد الأول يطالبون بمزيد من التفاصيل لمضامينه كما ذكرت من قبل لكي يمكن بناء الثقة الشعبية بهذه المضامين، التي ستكتسب جديتها ووجاهتها من تبني الناس لها باعتبارها مضامين ستحقق عند تطبيقها مصلحتهم وتحفظ سلامة وأرواح أبنائهم.

أما ممثلو المشهد الثاني، وهذا حقهم، فقد أرادوا أن يسدوا منافذ التوسع في تفسير القرار حيث تناقش وتتخذ الآن إجراءات تطبيقه. ومن المفيد، في ظل اتخاذ هذه الإجراءات، أن تُسد هذه المنافذ لكي لا يفقد القرار الشعبية الهائلة التي اكتسبها فور الإعلان عنه.

ويتبقى لدينا ممثلو المشهد الثالث الذين ينعزلون بآرائهم إنعزالا كليا. وهؤلاء لا يمكن أن يلتقوا مع أي من ممثلي المشهدين السابقين. وذلك لأن هذا القرار شكل لهم صدمة كبيرة بعد أن ظنوا أنهم انفردوا بالساحة وفي التأثير في الناس، سواء من خلال قنواتهم الخاصة والمثابرة على إحداث الفرقة والطائفية وشق اللحمة الوطنية أو من خلال أحاديثهم ورسائلهم على وسائل التواصل الاجتماعي. وهم يعلمون الآن أن هذا القرار قضى على مخططاتهم وأجنداتهم. ولذلك هم، بدون شك، سيبحثون عن طرق لمقاومته والنيل منه والتدليس عليه كما يفعلون دائما مع كل قرار يهدد وجودهم ومكاسبهم. وقد يلجأون، أيضا، إلى العمل السري في شكل من أشكال هذه المقاومة للقرار.

وهو أمر لم يستبعده أحد من الذين ناقشوا أبعاد وتوابع هذا القرار على اعتبار أن مرجع كل الجماعات المتطرفة والمتشظية الآن هو جماعة الإخوان المسلمين، التي عرفت تاريخيا بكمون أعضائها تبعا للظروف التي تحيط بهم وتحيّن الفرص للانقضاض كما حدث أكثر من مرة في مصر، وآخرها قفزهم على ثورة 25 يناير واختطافها من يد الوطنيين المصريين.


كاتب سعودي

9