ثلاثة مهرجانات سينمائية.. مصر تتعافى

الخميس 2014/01/09
فيلم "بلادي الحلوة" صراع تقليدي قبلي في مكان غير تقليدي

قبل ثلاثة أشهر أبدت نقابة المهن السينمائية وغرفة صناعة السينما قلقا على مستقبل السينما، وتعرض 300 ألف عامل للبطالة، رغم عملهم في إنتاج سلعة مربحة، كانت تصدر وتعرض في الشرق والغرب، من البرازيل وأميركا إلى إرتريا وأستراليا.

مصر تغزل مهرجاناتها بأقل الإمكانات. وقد اختتم عام 2013 بثلاثة مهرجانات سينمائية: مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة، المهرجان القومي للسينما، وبانوراما الفيلم الأوروبي.


استعجال الثورة


مهرجان القاهرة الدولي لسينما المرأة منذ تأسيسه عام 2008 هو نافذة على أفضل الأفلام الروائية والتسجيلية والرسوم المتحركة من صنع النساء، وقد عرض به 35 فيلما من 25 دولة عربية وأجنبية، وقد بدأ هولنديا، وانتهى هولنديا.

تضاربت مواعيد عروض بعض أفلام مهرجان المرأة مع عروض أفلام المهرجان القومي للسينما، وتقاطعت طبيعة الأفلام أيضا. من يشاهد “بنتين من مصر” 2010 لمحد أمين، يتأكد له أن مصر كانت تقف على أطراف قدميها، تشبّ لكي ترى الثورة وتستعجلها، أو ترمي نفسها في أحضانها طالبة الخلاص من القمع الأمني والفساد السياسي، ولكن الأحلام ظلت عصية بالتراجيديا مرة، وبافتعال المواقف الدرامية مرة أخرى، وكاد الفيلم يكون وثيقة فنية، وشهادة على حتمية سقوط حكم مبارك، لولا وقوعه في فخ الميلودراما. قبل 20 عاما كان المشهد مختلفا؛ في “المهرجان القومي الثالث للأفلام الروائية”، تنافس 16 فيلما اختيرت من بين 64 فيلما أنتجت عام 1992، وفي حفل الختام، شن لطفي الخولي رئيس لجنة التحكيم هجوما على السينما التجارية، وطالب بانتقاء الأفلام المشاركة في المسابقة.

وفي دورة هذا العام، شن وحيد حامد رئيس لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة هجوما على الأفلام التي لا يعرف “كيف تم تصنيفها باعتبارها أفلاما سينمائية؟.. الأفلام تقاس اليوم بالإيرادات، بعد أن تحولت بعض الأفلام إلى مجموعة من مشاهد البانجو، وأصبحت الشاشة تنقل كل ما يخص البلطجة وكل ما ينشر الفجاجة والقبح”. فات الرجل أن يكون ديمقراطيا، وألا يطلق حكما استعلائيا على الأفلام التجارية، وهي مهمة لتزييت آلات الإنتاج، وقود حيوي لإنتاج أفلام ذات مستوى فني عال. وفي الديمقراطيات الفنية تتجاور كل الأشكال، على أن تكون المنافسة في المهرجانات من نصيب الأفلام غير التجارية.

الفيلم الأوروبي

لا تتاح دائما فرص أمام الجمهور المصري وغير المصري لمشاهدة أفلام غير أميركية إلا في المهرجانات. خلال عشرة أيام تقدم “بانوراما الفيلم الأوروبي” 50 فيلما أنتجت عام 2012 وتتجاوز الجغرافيا الأوروبية.

إضافة إلى الأفلام الأوروبية شاركت في البانوراما أفلام عربية عديدة لعل أبرزها فيلم “يوميات من الثورة” الذي استعرض فيه مخرجه الليبي نظام نجار، أولئك الذين سألهم القذافي: “من أنتم؟!”، وأخفاهم 40 عاما، فإذا بهم ينهضون من تحت رماد ثورة الزعيم الأوحد، ويستردّون الدولة ويبحثون عن مستقبل البلاد. ومن مصر شاركت ثلاثة أفلام هي “دعاء.. عزيزة” لسعد هنداوي، و”فيلا 69″ لآيتن أمين، و”الخروج للنهار” لهالة لطفي.

ينأى الجيل الجديد من السينمائيين المصريين عن اتخاذ دور الناصح والمعلم؛ جيل جاء بعد نهاية الأحلام الكبرى وسقوط المشروع القومي. ورغم مشاركته في ثورة 25 يناير، وتورطه في أحداثها المتلاحقة، فإن أفلامه تنتصر للفن، وتراهن على قدرة السينما على تجاوز اختبار الزمن، ومخاطبة جيل قادم سيكون باله خاليا مما يشغلنا الآن، ولن يسأل عن “القضية”. يعود سعد هنداوي إلى السينما التسجيلية في “دعاء.. عزيزة” يغزل فيلمه بصبر، لا يستعجل إنهاء التصوير الذي بدأ عام 2005، واكتمل بعد سبع سنوات تغيرت فيها مصائر بطلتي الفيلم، وتغيرت مصر أيضا. ترك الكاميرا تتبع “دعاء” و”عزيزة”، تتأخر عن حركة كل منهما خطوة، ولا تحدّد لهما خط السير. فيلم يطرح بصراحة مطلقة، وعمق جارح، أسئلة الهوية، وصراع الأجيال في مصر وخارجها.

حين كانت مصر تتمرّد، في احتجاجات 2005، تمرّدت “دعاء عبد الرازق” على نفسها، وعلى أسرتها المقيمة في باريس، حيّرها أنها لا تعرف هل هي مصرية أم فرنسية، فقررت أن تعود بمفردها إلى مصر، في ذلك الوقت كانت صديقتها “عزيزة” قد قررت الهجرة إلى باريس، وتركت أسرتها في القاهرة، مصحوبة بموافقة أبيها المصري وعدم ترحيب أمها المجرية. سنوات من المعاناة النفسية، وعدم اليقين، وإعادة السؤال حول التحقق الشخصي، والخلاص الفردي، في القاهرة وباريس.. بريق الأضواء لا يخفي جراحا قديمة تتجدد، ودموعا بين مشهد وآخر، في عمل يخلو من الميلودراما، ولكنه مشحون بمشاعر صادقة، وأسئلة بلا ضفاف.

بالقرب من إيران، على الحدود الشمالية للعراق، وقريبا من تركيا، تدور أحداث فيلم “بلادي الحلوة.. بلادي الحادة” لهينر سليم. فيلم يبدو تقليديا عن صراع تقليدي قبلي في مكان غير تقليدي..

بطلة الفيلم “جلشيفته فراهاني” ممثلة مُجيدة، تنتقي أدوارها بعناية، ومن حسن حظي أن شاهدت عددا من أعمالها. في مهرجان أبوظبي السينمائي 2009 شاهدت فيلمها “عن إيلي” إخراج أصغر فرهادي، وقد حفزني “عن إيلي” للبحث عن الفيلم الأميركي “كتاب إيلاي”، ويحلو لي أن أسميه “المسيح المسلح” لإعجابي بأداء دينزل واشنطن، وفي مهرجان أبوظبي 2012 شاهدت فيلمها “حجر الصبر”، إخراج عتيق رحيمي عن روايته التي نال عنها جائزة جونكور الفرنسية 2008.

16