ثلاثة وجوه للموصل

الخميس 2015/09/17

كيف نتكلم عن مشكلة التهميش الطائفي بالعراق وفي نفس الوقت نهاجم المتطرفين السنة؟ بكل تأكيد سنة العراق لا يريدون العيش في دولة دينية، خصوصا دولة صارمة سلفية مخيفة. الشيعة بالمقابل عاشوا بدولة دينية سيستانية صفوية كان السنة فيها بمثابة الموالي. إلا أنهم غير متشددين بالفرائض والعبادات، فلا يلاحقون بعضهم على صلاة الفجر والملبس ولا توجد حدود كالرجم والجلد وقطع الرأس. المهم عندهم الولاء السياسي والمذهبي والطقوس العامة.

السلفيون من جهة أخرى قضيتهم مختلفة، وسنة العراق في حيرة، يعجبهم التمرد العسكري وقتال الميليشيات التابعة لإيران ويرون في ذلك ثأرا لكرامتهم، إلا أنهم لا يؤيدون الإرهاب وغير مستعدين للعيش في القرون الوسطى، خصوصا في عالم اليوم الذي صار قرية صغيرة، حيث الثقافات والفلسفات أصبحت متداخلة.

الشباب يريدون الباب مفتوحا على العالم الخارجي من سفر ولغات وفنون وتجارة، ولا يريدون العيش في حصار مشابه لكوريا الشمالية، لا يريدون أن يكونوا مواطنين بدولة منبوذة، خصوصا أن تجربة الحصار في التسعينات ما زالت ماثلة أمامهم.

الناس باختصار في حيرة، وأنت ككاتب عليك أن تحسم خياراتك، فما هو الشيء الذي يأتي في المقدمة؟ مقاومة التهميش والتهجير الصفوي الإيراني للسنة، أم مقاومة الثقافة المتطرفة والانعزالية للدواعش؟ ماهي القضية الأساسية الآن؟ إسقاط بشار الأسد أم القضاء على داعش؟ استعادة بغداد ومقاومة المشروع الطائفي الإيراني، أم دخول الموصل بأي قوة كانت وطرد المتطرفين وتحرير المدينة من الحصار؟

هذه هي الإشكالية التي تحتاج إلى مهندس أفكار، ثم أن الأنبار قبائل وبيئة رعوية صحراوية وكذلك الموصل مدينة سنية قديمة ومحافظة وشهيرة بالتجارة، هذه مدن ليست ساحلية كالبصرة وبيروت مع هذا هناك رفض كبير للأفكار المتطرفة. وسط حيرة كبيرة من هذا النوع يمر بها شعب بأكمله من المفيد نقل وجهة نظر الناس بأمانة، وفي هذه الأيام وصلتني رسائل تعكس وجهة نظر شعبي بشكل واضح:

رسالة 1

مهما يكن من أمر يجب ألا نحشر أنفسنا بإقليم داعشي وعقيدة الشيخ ابن عبدالوهاب “رحمة لبوك” نحن الشباب ما هو مصيرنا؟ ما علاقتنا بابن تيمية والسيستاني؟ نريد أن نعيش أرجوك. لا نريد أن نذبح أحدا. ألا يكفي الذي حدث حتى الآن؟ أنا مولود في بغداد “سني ابن سني” والدي ضابط وابن عمي نقيب بالجيش سحله جيش المهدي من البيت عام 2006 وقتلوه. فهربنا إلى سوريا ثم رجعنا إلى الموصل واشترينا بيتا هناك فكان أهل الموصل لنا نعم الأهل ومثال الطيبة والعطف والكرم والمراجل. الجيش كان يسبب الأذى للناس وكله من طائفة واحدة تمارس الاضطهاد في مدينة سنية كبيرة. مع تفاقم الوضع دخل داعش عام 2014 وقد فرح الناس بالخلاص من الجيش المجرم الذي كان يعتقل ويعدم في الساحات العامة، وتم رفع الحواجز وفتح الطرقات. فرح الناس بنهاية الذل.

فجأة دخل الدواعش بيتنا وقالوا “أنتم رافضة” وكل العشائر العراقية بها سنة وشيعة. بحثنا بخوف عن “واسطة” والتقى أبي بأمير داعشي كان ضابطا أيام صدام حسين، فلما تحدث معهم اكتشف أن الاتهام ينطوي على حكم بالإعدام فقال “اهربوا بجلدكم” فهربنا وذهبت أملاكنا ومعاملنا وبيوتنا فقد صادرتها الدولة الإسلامية.

هل هذا هو الإسلام والخلافة. كل عشائر العراق فيها سنة وشيعة، كيف يصل العقاب إلى درجة الموت لمجرد الشك بالانتماء المذهبي؟ أربعة شهور بالموصل تحت حكم داعش رأينا فيها العجب العجاب، الناس كرهت الإسلام، ولو يفتحون طريق الموصل لا يبقى أحد بالمدينة.

نعيش اليوم بالإيجارات بعد خسارة بيوتنا، صرنا أسفل سافلين. أنقل لك حكايتنا لأنك كاتب ناجح قلمك ساحر. أنا خريج إدارة واقتصاد وكلية إعلام، والآن مرحلة ثالثة كلية علوم سياسية ولن أترك بلادي ولن أهاجر.

العراق غالي أتمنى أن أموت بأرضي وسط أهلي وليس بمقبرة الغرباء، أتمنى أن تشعر بوجعي وتفهمني. الله ينتقم من الحشد وإيران وداعش وكل من أعانهم ولو بكلمة.

رسالة 2

هل تعلم بأن هناك سوريين يدفعون 50 ألف ليرة لحواجز النظام السوري فقط ليسمحوا لهم بالنزوح إلى مناطق داعش؟ وهل تعلم بأن ترميم الجسر الخامس كلف الدواعش 800 دولار فقط؟ بينما كان مكتب الخدمات قد أعلن سابقا أنه أنفق تسعين مليار دينار سنة 1435 على الموصل فقط دون أي عمران يُذكر؟ ما هو حجم الإعمار في دولة نسبة الفساد الإداري فيها صفر؟ هل تعلم بأنهم يفتحون الفندق الثالث في الموصل بسبب حجم الزائرين؟ ﻻ ننسى أن هناك إهمالا لباقي الولايات كما يسمونها، ولكنهم يسيرون باتجاه محدد.

حتى كردستان الآمنة تجد فيها نسبة الهجرة إلى الخارج مخيفة تصل من 250 إلى 300 شاب كل يوم، والكل متيقن من دخول الدواعش إلى الإقليم في النهاية. أنت تقول بأن للغرب عادات ﻻ يفهمها إلا الذي عاش بينهم، وكذا الدواعش لا يمكن أن تفهمهم حتى ولو عشت بينهم لأنهم دولة مخابراتية.

رسالة 3

بسبب منشوراتك على التواصل الاجتماعي كدت أقع في قبضة “الأمنية” التابعة لداعش على أطراف مدينة الموصل، خرجت لألتقط إشارة وأستخدم الهاتف فداهموني وأخذوا الهاتف وفتحوا الفيسبوك وسألوني من صديقك هذا الذي يطلق علينا كلمة “دواعش”؟ قلت لا أعرفه فقط متابع لما يكتب. كان بيني وبين الاعتقال لحظات ثقيلة. فتشوا عن اسمك في قائمة الأسماء وفي “الواتساب” فلم يجدوه وتركوني. الأمن الداعشي عندهم صلاحيات كاملة بالاعتقال، ومعاملتهم للناس بدأت تذكرنا بمعاملة الجيش الصفوي قبل سقوط الموصل.

لا يوجد مصدر رزق خصوصا بعد أن قطعت الحكومة رواتب الموظفين بالموصل، إلا أن هناك نوعا من الأمان المؤقت حاليا، فيمكنك أن تخرج في منتصف الليل بلا خوف، ويمكنك ترك باب بيتك مفتوحا دون قلق. مع هذا الشباب يريد السفر إلى أوروبا وطلب اللجوء. فابن عمي وصل ألمانيا وابن عمتي وصل السويد، لا يوجد مستقبل في هذه المدينة التي تقع تحت مرمى جميع العالم.

نشعر بأننا مستهدفون من الجميع، الأكراد يريدون أرضنا، والشيعة يريدون أرضنا، والنجيفي يدّعي بأن نصف الموصل ملك لأجداده.

نعيش تحت حكم الدواعش، وأقول صراحة بأن نصفهم مرتزقة سيهربون ساعة الجد، إلا أن النصف الآخر مجانين خصوصا المقاتلين الأجانب. شاب روسي دخل المدينة منذ يومين يبحث عن بيجي. الأجانب كثيرون هنا وعندما تمشي في الأسواق تشعر وكأنك في مكة، فالناس من كل الجنسيات مع عوائلهم، وهناك إيرانيون سنة. الوضع معقد فهناك حركة عمرانية، وافتتاح مدن ألعاب جديدة، وشق طرقات من جهة، ومن جهة أخرى ترى جنوداً قادمين من بيجي وسنجار وشمال بغداد والأنبار وجنودا ذاهبين.

لا أحد يتكلم هنا فالكل صامت لأنه لا يوجد بديل. والشباب يقولون بأنهم لا يحبون الدواعش إلا أنهم سيقاتلون إذا أراد الحشد الشيعي اقتحام المدينة. لا توجد تسلية سوى كرة القدم فالسجائر والشيشة ممنوعة إلا أنها متوفرة بالخفاء أيضاً. الدواعش ماكرون ولا أحد يفهمهم فقد رأينا كيف انسحبوا بطلقتين من تل أبيض بينما صمدوا أربعة أشهر في كوباني، لا أحد يعرف كيف يخططون ولا ماذا يريدون.

كاتب عراقي

9