ثلاثون سنة بعد "افتح يا سمسم"

الأربعاء 2016/10/12

ما إن نشرتُ على موقعي في فيسبوك بضعة صور من أرشيف برنامج افتح يا سمسم الذي اشرفتُ على إنتاجه وكنت رئيس فريق الإخراج فيه قبل ثلاثين سنة، حتى انهالت على الموقع المئات من إشارات الإعجاب والعشرات من التعليقات التي تمتدح البرنامج وتؤكد فضله عليهم تربويا ومعرفيا وإمتاعا وتسلية راقية.

وقد وصف الكثيرون ذكرياتهم الطيبة عن برنامج افتح يا سمسم بالرغم من بلوغهم الأربعين والخمسين من أعمارهم الآن، وتمنوا أن يعود ذلك “الزمن الجميل” وتذكروا شخصيات البرنامج بأسمائهم، وكتبت فتاة في العشرين من عمرها تقول إنها لم تر البرنامج ولكنها أحبته وتعلقت به لكثرة ما ذكره والداها أمامها إلى درجة أنها حفظت البعض من أغانيه!

ونتجاوز المديح المتكرر للبرنامج والتغني بصفاته التربوية في أساليب ترفيهية راقية ومبهرة للكبار والصغار الذين تابعوا حلقاته الـ390 التي تم إنتاجها وعرضها طوال 12 سنة ( 1978- 1990 ) ونركز على التعليقات التي عبر فيها مرسلوها عن تمنياتهم أن تتم إعادة إنتاج مرحلة حديثة من برنامج افتح يا سمسم في وقت لا توجد فيه على شاشات الفضائيات العربية على كثرتها برامج طموحة تربوية وترفيهية مدروسة عربية النكهة وموجهة للأطفال أو للناشئة ضمن منهج عصري جذاب.

والملفت للنظر أن الكثير من المعلقين شككوا في احتمال إقدام الجهات الإنتاجية العربية الآن -رسمية كانت أو خاصة- على إنتاج مثل هذا العمل النافع للأطفال العرب، بسبب انشغال وسائل الإعلام العربية وممولوها بأمور الساعة السياسية ومصالح الجهات التي تنتمي إليها، واتهم البعض وسائل الإعلام الرسمية بالتخلي عن واجباتها التنويرية والثقافية بتقليد الفضائيات الخاصة المنشغلة بالبرامج الترفيهية التي يفضلون الإنفاق عليها بسخاء كونها جاذبة للإعلان التجاري.

عدد غير قليل من عشاق برنامج افتح يا سمسم الذين تابعوه قبل ثلاثين سنة وأكثر ويشتاقون إليه وإلى أبطاله غير المنسيين، يعتقدون أنه من الصعب في أيامنا هذه إنتاج برنامج تلفزيوني يجذب الأطفال ويبهرهم كما فعل برنامجنا طيب الذكر.

إن أطفال اليوم غير أطفال الأمس، ومزاج اليوم العام غير مزاج الأمس، أولا من حيث المناخ السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي السائد في العديد من البلدان العربية، بسبب الظروف الأمنية الحالية التي تمر بها البعض من البلدان العربية بعد عواصف الربيع العربي الساخن والتي انعكست حتى على حياة أطفالنا بصورة خاصة، وفي البعض من البلدان حتى على انتظام الذهاب إلى المدارس.

ومن ناحية أخرى رأى البعض أن أطفال اليوم غير أطفال الأمس من حيث ما هو متاح لكل منهما من تقنيات ووسائل وألعاب إلكترونية مبهرة، وصار الطفل وهو لم يدخل المدرسة بعد يحمل بيده “موبايل” ذكيّا يقلب صفحاته المتنوعة ويستخدم تقنياته بمهارة قد تفوق مهارة أبيه أو أمه!

ويكمن التحدي في أيامنا هذه في كيفية إغراء الأطفال بين الثالثة والتاسعة من العمر للتخلي عن القنوات التي يتابعونها أو الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية الملتصقين بها والتوجه بعض الوقت إلى شاشة تلفزيون يعرض برنامجا طموحا يقدم للمشاهدين الصغار ما ينفعهم ويمتعهم ويعلمهم ويعيد إليهم إنسانيتهم ويعوض بعض ما يفتقدونه من حقوق الطفولة في عالم مضطرب خطير قلب الكثير من العلاقات الاجتماعية والثقافية والتربوية.

لقد أقدمت قبل أشهر إحدى الجهات الإنتاجية في الإمارات على إنتاج مرحلة جديدة من افتح يا سمسم، بالاعتماد على عناصر شابة، وحلقاته تعرض حاليا على عدد من الفضائيات الخليجية، ومن خلال ما وصلني من انطباعات بعض المشاهدين، أنهم لم يجدوا فيه تلك المتعة والانبهار والقيمة المعرفية التي وجدوها في افتح يا سمسم قبل ثلاثين سنة، وأن الكثير منهم قد وجدوا صعوبة في إقناع أطفالهم بالتوجه لمشاهدة افتح يا سمسم الجديد مع وجود مغريات براقة كثيرة متاحة لأطفال اليوم منها شاشات فضائية متنوعة وجذابة ومنها ألعاب إلكترونية مسلية وقاتلة للوقت ومنها هواتف ذكية بالعشرات من التطبيقات المغرية للانشغال المتواصل بها.

مخرج عراقي

18