ثلاثية الهاء

هكذا استطاع هاء هانيبال أن يتلاقى مع هاء هبة في ماء ضحل ورقراق لم يولد اليأس كعادته، ماء، هو “هاء” الهجرة من الأوطان.
الجمعة 2018/06/29
انعكاس لمعاناة متواصلة.. بأشكال مختلفة

أبرز ما يميز التجربة الفنية اللبنانية اليوم عن غيرها من باقي التجارب العربية، لا سيما تلك الناشئة في كنف حروب السنوات الأخيرة وأهمها ما يحدث في سوريا وفلسطين المحتلة، هو أنها لم تعد ترغب، أي التجربة الفنية، وكأنها شخصية حيّة لها أطوارها وتصرفاتها، في أن تكون انعكاسا لمعاناة متواصلة إلى الآن وإن بأشكال مختلفة، وقد تكون المصائب التي تتوالى على شعوب المنطقة من الداخل والخارج ما جعلها تنفر أكثر من أي زمن مضى من الغوص في متاهات الألم واسترجاع ذكريات الحرب.

استبعاد الدخول من جديد إلى سراديب وأجواء الموت والقتال أخذ أشكالا متنوعة وعديدة فنيا، غير أن الأغرب قد يكون في الأعمال، وإن على تفاوت قيمتها الفنية ومدى الخبرة التي يتمتع بها فنان دون آخر، والتي أخذت هيئات هشة وعذبة الألوان وذكرت بالسديم وهو يرخي بثقله ببطء مُخدر على مسامات اللوحة، أو بغيوم سماء ما بعد العصر وقد اجتاحها لون زهري يخطف القلب والبصر.

وبعيدا عن التعميم يجدر ذكر تجربتين مختلفتين، ولكنهما متوافقتان على أكثر من صعيد، وهما تجربة الفنان التشكيلي اللبناني هانيبال سروجي من خلال معرضه الذي أقامه مؤخرا في صالة “جانين ربيز” في بيروت تحت عنوان “الحق في الحلم”، وأعمال الفنانة اللبنانية هبة كلش التي قدّمت بدورها معرضا مميزا في صالة “صالح بركات” البيروتية بعنوان “ليموناضة.. كل شيء كان لا نهائيا”.

وعلى الرغم من أن الفنانين بشكل عام لا يستسيغان أي مقارنة مباشرة بين عملهما وعمل فنان آخر، وهو أمر مفهوم، غير أن قوة الصلة، ولن أقول الشبه، بين ما قدّم سروجي وكلش لافتة جدا.

وكلاهما، مع فارق السن بينهما، غادرا لبنان إبان الحرب إلى نوع من منفى تبناهما، دون أن يحتل مكانة الوطن الأم، فهانيبال سروجي هاجر إلى فرنسا وكان في الثامنة عشرة من عمره، بينما غادرت هبة كلش إلى الولايات المتحدة الأميركية.

كلاهما تابعا دراستهما الجامعية واستطاعا مع مرور السنوات أن يشكلا شخصية فنية مكنتهما من إقامة المعارض الفردية والمشاركة في المعارض الدولية، أما الأهم من ذلك كله هو النفس الفني المتقارب الذي جمعهما على أكثر من صعيد وحرك نصيهما، وأيضا اختيارهما التركيز ليس على الحرب اللبنانية وما عانيا منها بشكل مختلف، بل على ثلاثة محاور هامة وهي أولا الحلم وأهميته في المضي قدما في جريانهما من ضمن نسيج تحولاتهما من دون أسى مُكبّل ولا نوستالجيا هادمة، ثانيا، محور النسيان ليس كتجل لخذلان ما أو كحالة مرضية، بل كبلسم للجراح وللذاكرة.

وإذا كان بإمكاني أن أذكر عملا فنيا عالميا واحدا حضرني بشدة بعد زيارتي للمعرضين، فسأذكر لوحة للفنان البلجيكي رونيه ماغريت، لوحة تحمل عنوان “الذاكرة” التي تمثل بالنسبة لي خلاصة ما يعني أن تكون صاحيا تماما لمأسي الماضي، وفي الآن ذاته قد اجترعت على مدى السنين وببطء شديد بلسما بطعم ماء الزهر إلى أن غاب الألم تماما، لتبقى حمرته ناصعة كالدماء على بياض ناصع كالجص.

أما المحور الثالث، فهو “التآخي” بين النصين الفنيين، حيث شفت الألوان وعظم التجريد ليتكثّف وينعقد وكأنه براعم أزهار وورود نشرت عبقها في كل أنحاء اللوحات.

وفي حين اختارت كلش ترجمة لنصوص روحية إلى مرئيات فنية، اختار سروجي السديم المتكثّف المصاب بما يشبه طلقات رصاص مُحفزة لنمو الأزهار.

ولم يجئ نصهما ساذجا كالأقاصيص الخرافية في أبعادها الحلمية فقط، بل جاء لصيقا بكوابيس النفس وظل ينبض بكم وافر من الأوكسجين النقي الذي غذى احتفالية قرار تخطي الكوابيس الماضية كي تستمر الحياة.

هكذا استطاع هاء هانيبال أن يتلاقى مع هاء هبة في ماء ضحل ورقراق لم يولد اليأس كعادته، ماء، هو “هاء” الهجرة من الأوطان.

17