ثلاثية بابل قصص من العالم

الكاتب خالد البلوشي يحملنا في ترحال عبر قصص مترجمة في ثلاثة كتب للحصول على ثيمة موحدة تكشف عن الطريقة التي تتطور بها اللغة.
السبت 2020/03/21
قصص تمنحنا مجالا واسعا للتخيل

أبرز ما يبقى من الشعوب هو حكاياتها، وخاصة تلك التي يدونها أدباؤها، حيث تتجاوز وظيفة التأريخ إلى التخييل، فالقصص التي نقرؤها من هذه الحضارة أو تلك تمنحنا مجالا واسعا لتخيل ملامح الحياة وإعادة تشكيلها بخيالاتنا، ومن ثم نفهم أجزاء ونحس بعناصر ما كان لنا أن ننتبه لها مع التأريخ العادي.

مسقط- يسعى الكاتب والمترجم العماني خالد البلوشي في مشروعه “ترحال عبر قصص مترجمة”، الذي يتكون من ثلاثة كتب، “إلى ما قبل بابل، إلى ما بعد بابل، تقويض بابل”، إلى رصد التفاعلات الداخلية للغة حين تخرج من إطارها المحلي نحو ثقافات أخرى، وإلى رفد المكتبة العربية بمجموعة من الأعمال الإبداعية التي كُتبت باللغة الإنجليزية، وألّفها عدد من المبدعين الذين ينتمون إلى دول تتّخذ الإنجليزية لغة أمّا، أو لغة ثانية، أو لغة أجنبية.

اثنتا عشرة قصة من أربع دوائر حضارية
اثنتا عشرة قصة من أربع دوائر حضارية

الكتب الثلاثة، الصادرة عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع “الآن ناشرون وموزعون” في الأردن، جاء الجزء الأول منها “إلى ما قبل بابل” في مئتين وسبع وثلاثين صفحة من القطع المتوسط، وحفل باثنتي عشرة قصة من أربع دوائر حضارية، مثلت أولاها دولا غربية مثل أميركا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزلندا، والثانية دولا أفريقية مثل نيجيريا وزامبيا، والثالثة دولا آسيوية مثل الهند وسنغافورة، بينما جاءت الرابعة من دول كاريبية مثل هايتي.

ورغم هذا الامتداد الجغرافي، مثّلت المجموعة عالما أحادي اللغة (قبل بابلي)، في محاولة من البلوشي للحصول على “ثيمة” موحدة تكشف عن الطريقة التي تتطور بها اللغة، حين يمتد نطاق استخدامها إلى خارج الدائرة الضيقة التي تقصرها على الناطقين بها بوصفها لغة أولى لهم، وهو الشيء الذي ينقص المكتبة العربية بحسب البلوشي.

ويقول المترجم إن “هذا التنوع يأتي ليسدّ هذه الثغرة؛ فالمجموعة تقدم قصصا قصيرة من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا والبحر الكاريبي، وتتوزع القصص على كتابين، يمثل ‘إلى ما قبل بابل‘ – أحادي اللغة – أولهما”.

ويتابع البلوشي “هذا التوزيع هو عمل إجرائي في نهاية المطاف؛ لأن الإنسان سواء كان أحادي اللغة أم متعدد اللغات، يبقى غريبا ومنفيا أينما كان وكيفما كان. ومأتى غربتنا هو إنسانيتنا، فنحن نفوس لا تتسق على منوال، ولا تطّرد على حال”.

أما الكتاب الثاني “إلى ما بعد بابل” الذي جاء في مئتين وخمس وستين صفحة وحفل كذلك باثنتي عشرة قصة، فيطّرد على الخط نفسه، مع إضافة مهمة، هي اختياره نصوصا لكتاب بريطانيين وأميركيين، لكنهم يعودون إلى أصول آسيوية وأفريقية، أو نصوصا أخرى تدور في فلك الحضارة الغربية والحداثة بينما كتابها ينتمون إلى دول من خارج الدائرة الجغرافية الغربية.

أدب ما بعد الكولونيالية
أدب ما بعد الكولونيالية

ويرى البلوشي أن ما يجمع هذه القصص بقصص الكتاب الأول، أنها تُصنف بوصفها “أدب ما بعد الكولونيالية”، فتخوض فيها شخصية البلدان التي خضعت للاستعمار بـ“هجنة” فيها عناصر من الثقافة المحلية وأخرى من ثقافة المستعمر.

لكن ما يميز قصص الكتاب الثاني، أن التفاعل فيها بين الثقافة المستعمرة والثقافة الخاضعة للاستعمار يأخذ وجها صداميا أحيانا، لكنه لا يفضي إلى نصرة ثقافة على أخرى، بل يوجد فضاء ثالث تتجلى فيه الخبرة الإنسانية متشابكة متداخلة ملتبسة غامضة؛ فالقارات والدول والهويات تعجز عن احتوائها.

هذا التوجه بحسب البلوشي لا يأتي من فراغ، وإنما من خلفية فكرية أقرب إلى الاحتفاء بالاختلاف والشك والتردد منها إلى تمجيد الائتلاف واليقين والحسم، فاليقين والحسم يقتضيان كائنات لكل فرد منها شخصية صلدة صماء، أما الأدب فهو يعامل الإنسان برزخا و”ما بينية”، مثلما تكشف عنه قصص الكتاب الثاني.

وهنا يطرح البلوشي سؤالا: هل لهذه الترجمات دور يمكن أن تؤديه في الحراك الثقافي العربي المعاصر؟

مضيفا أن المتعة أو الدهشة الأدبية مخاض نُعرّض فيه لخلاف مألوفنا بوصفنا كائنات اجتماعية، إلا أن المعرفة والألفة ليستا عملية إدراك مجردة نقايس بها خبراتنا الجديدة على ما ترسخ في أذهاننا من افتراضات مسبقة، وإنما هما حكم وموقف، فما عُرف – بحسب موروثنا – وجب تبنيه، وما لم يُسمع به كان شرا وجب تجنبه، والحال أن الخير والشر يفسَّران بطرائق مختلفة، وكل تفسير محكوم بزمانه ومكانه، وبما فيهما من متغيرات آنية، إلا أن التصور السائد عندنا أنهما منتجان صلدان أصمّان.

ويرى البلوشي أن منظومتنا الثقافية السائدة في عالما العربي الإسلامي تفصل المعنى عن صانعه، فالحق ليس ما يفهمه المرء بحسب سياقه، زمانا ومكانا، وإنما هو منتج موضوع في ما عُدَّ منبعه الأصلي، فإن اختلف فهمه عن ذلك المنتج كان خطأ أو انحرافا أو ضلالا فيه بحسب درجة الاختلاف وهذا ما تجب إعادة التفكير فيه.

تصنيفات على شاكلة "الأنا والآخر"
تصنيفات على شاكلة "الأنا والآخر"

أما الكتاب الثالث “تقويض بابل” والذي جاء في مئة وخمس وعشرين صفحة تتضمن تحليلا للكتابين السابقين، فيرى البلوشي فيه أن التشظي والاضطراب هما الأصل، أما الثبات والتماسك فهما اصطناع، وبهذين الأخيرَين نأتي بتصنيفات على شاكلة “الأنا والآخر”، “الشرير والخير”، “المؤمن والكافر”، “الشرقي والغربي”..

هذه الثنائيات ومثيلاتها ليست كتلا وجودية صماء بحسب البلوشي، وإنما هي “فروض مسبقة، إذا انعدمت انعدمنا، وإذا وُجدت وُجدنا، على أننا نحن الأفراد إن كنا أثرا لهذه الفروض فنحن أثر فيها في آن، ونحن بهذه الجدلية يوجد بعضنا بعضا، شأننا في ذلك أفرادا هو شأننا طقوسا وأعرافا”.

والخلاصة – بحسب المؤلف – أن اختلافنا واختلاجنا وتأرجحنا وتذبذبنا وخرفنا وبلهنا وهوسنا صوت كبت أُلبس السيء من الأسماء، صوت إنْ أعرناه سمعنا كان مهمازا لنا لأن نسائل أنفسنا، مؤنبين موبخين إيانا على خمولنا ذهنا ومسلكا.

يشار إلى أن البلوشي أصدر مجموعة من الترجمات والأعمال الإبداعية والنقدية، مثل: “عُمان في عيون الرحالة البريطانيين”، “جندي في مسكن شهد الذاكرة”، “استشراف التجربة العُمانية في جوادر”، “في القصيدة العُمانية الحديثة، نحو نقد ثقافي”، “الرواية العُمانية في ميزان النقد الثقافي”، و“سماوات دامسة”.

15