ثلاثية رشاد الحكم

الخميس 2015/08/06

يتسع مفهوم رشاد الحكم ونزاهته ويضيق تبعا للمنظومة السائدة في كل مجتمع على حدة، فهناك من يُدرج في مفهوم رشاد الحكم الشفافية والمساءلة فقط، وهناك من يتوسع أكثر في هذا المفهوم ويضيف إليه القوانين الحاكمة لآليات السوق والوظيفة الاقتصادية والسياسية للدولة.

إن رشاد الحكم يعكس مستوى العلاقة بين السلطة والمجتمع، أي بين الحاكم والمحكوم، وقد تحدث عن ذلك قبل ثلاثمئة عام ونيف فلاسفة كثر منهم الفيلسوف الفرنسي مونتيسكو صاحب نظرية فصل السلطات الذي تعتمده غالبية الأنظمة حاليا، والفيلسوف البريطاني جون لوك صاحب النظريات السياسية الليبرالية الذي حدد الوظائف العليا للدولة.

لم يضع أحد من الفلاسفة ورجال السياسة رشاد الحكم بديلا عن الديمقراطية، فالحكم الرشيد يمكن أن يكون ديمقراطيا أو تسلطيا، والطابع الاجتماعي – الطبقي للسلطة هو الذي يحدد مساحة شرعتها، إذ أن جوهر السلطة لا ينفصل عن النظام السياسي الذي تمارس من خلاله مهامها الاقتصادية والسياسية.

فالسلطة الرشيدة هي التي تعكس مصالح الشرائح العريضة من المجتمع، وتتبنى الديمقراطية بالمعنى العريض للكلمة، وإذا ما توافر هذان الشرطان فإن الجهاز المؤسسي للسلطة سيكون أكثر حصانة في مقاومة عناصر الفساد. لا شك أن الدولة الرشيدة لا تخلو من الفساد، بيد أنه لا يتحول إلى ظاهرة بل يبقى في حقل الممارسات الفردية المحدودة والتي يمكن الحد منها بسهولة ومكافحتها عبر تطبيق العقوبات الرادعة، أما في الدول غير التعاقدية وفي الدول البيروقراطية التي تُمارس الهيمنة والتسلط، كالكثير من الدول العربية، فسرعان ما تقوم فيها رابطة غير مقدسة بين السلطة والمال، وحالة كهذه تجعل من الفساد ظاهرة يستعصي استئصالها إلا بتغيير آليات الحكم حتى وإن كان رشيدا.

ينطوي مفهوم رشاد الحكم على قدر كبير من الضبابية واللبس والغموض في آن واحد، وقد خضع مفهوم رشاد الحكم لاجتهادات لغوية لا حصر لها ألقت عليه ظلالا من الخلط، لكن الثابت أن الحُكم الجيد يُمارس في فضاء المشاركة والشفافية والمساءلة وعبر احترام القانون وسيادته على قاعدة التبادلية بين مؤسسات الحكم الثلاث، الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، حيث توفر الدولة الإطار السياسي والقانوني للمجتمع، ويُفعّل المجتمع المدني الحياة الاقتصادية والسياسية، فيما يوفّر القطاع الخاص فرص العمل.

الحكم سواء كان صالحا أم سيئا لا يعمل من فراغ، فهو يتأثر ويؤثر في البيئة المحلية والدولية السائدة، وحين ينتظم الحكم ويستقر يُفترض أن تقوم شراكة حقيقية بين مؤسسات الحكم الثلاث، وأن تتضافر جهود المؤسسات الثلاث من أجل إنجاز أهداف التنمية الاقتصادية والسياسية المستدامة عبر توفير المناخ الاستثماري الذي يُسهم في توظيف الموارد الطبيعية والطاقات البشرية على نحو أمثل وفي توزيع الثروة والدخل بطريقة عادلة.

إن صلاح الحكم وسلامة بنيانه لا يقدمان حلا سحريا لجميع التحديات التي تواجه المجتمع، فإذا كان الفساد منتشرا في أوساط الأحزاب والحركات السياسية وفي المؤسسات الإدارية والمدنية، فإن الأمر يحتاج لممارسة القوة في إطار المؤسسات كافة بهدف التوجيه والسيطرة وحشد الأنشطة وتسخيرها في خدمة المجتمع، مع العلم بأن الفكر السياسي المعاصر ينظر إلى الحُكم من زاوية إدارة العملية السياسية أي بوصفه أسلوبا لإدارة الشؤون العامة والموارد العامة، وهو من اختصاص السلطة السياسية التي يُعدّ مفهومها أشمل من مفهوم الحكم كون السلطة السياسية تعنى بمهمة الحفاظ على النظام الاجتماعي داخل الدولة، بالإضافة إلى ممارسة الحكم وقوننته.

وعليه يمكن الافتراض بأن رشاد الحكم يتحقق في حال توافر ثلاثة شروط: الشرعية ـ الشفافية ـ المساءلة. فالشرعية تعني حق الدولة في ممارسة سلطتها ونفوذها على مواطنيها والتي تستمدها من العقد الاجتماعي، ليلتزموا بواجبات المواطنة ويتقيدوا بالنظام العام ويحترموا القانون ليبقى الفساد محصورا في حقل الاستثناء.

وبخصوص الشفافية التي كثر الحديث عنها في الأدبيات السياسية والاقتصادية والحقوقية في السنوات الأخيرة تحت تأثير ثورة الاتصالات والمعلوماتية، فإنها تعني ببساطة شديدة تدفق المعلومات وغزارتها وعلانية تداولها عبر وسائل الإعلام كافة والتي تسهل من الإحاطة بأي ظاهرة بما في ذلك ظاهرة الفساد.

المساءلة تعني كفاءة ممارسة النفوذ وفاعليتها، أي تعبّر عن العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، والأخيرة يُفترض أن تصدر التشريعات الناظمة لمحاسبة مرتكبي الفساد وعلى نحو صارم.

وهكذا فإن العلاقة الثلاثية بين (الشرعية ـ الشفافية ـ المساءلة) بوصفها كلا لا يتجزأ تشترط بعضها بعضا، ووجودها يُعبّر عن رشاد الحكم وصلاحه، وغيابها يعكس فساد الحكم، بينما نلاحظ أن كثيرا من العرب ينفون الترابط بين هذه الثلاثية ورشاد الحكم، ويجزمون بأن الحكم يمكن أن يكون رشيدا دون أن تتوافر فيه هذه الثلاثية.

كاتب سوري

9