ثلاثي السعادة

يا لَعَجب مُفارقات الحياة؛ فكأنمّا الحياة في شِرْعَتهِمْ وملّتهم حيّة رَقْطاء ينتظرون لدغتها في كل حين وآن وهُم يحبونها، كم يحبونها؟
السبت 2018/03/31
"شاقي ولا محتاج"

مُعضلة الأمثال الشعبية العربية المُكرّسة، أنها تكرّس في غالب الأحيان الأخطاء وتصرّ عليها، من ذلك مثلا، تسميتنا في تونس لبيت الزوجية السعيد، أو ما يُفترض أن يكون سعيدا، بـ”قبر الحياة”.

أجل، في تونس فقط، يغدو بيت الزوجية الذي يكافح الزوجان معا لسنوات وسنوات تليها سنوات أخرى لتجميع المال لأجل بنائه، أو اقتنائه عبر قرض بنكي، يظلان يُسدّدان أقساطه المُجحفة لنحو 20 عاما أو يزيد، فتتحطّم طموحات الشباب ولهيب حب الحبيبين في الجمع والطرح والضرب، ليضربا وهما لا يعلمان، أو بالأحرى يُعانيان، بسعادتهما عرض الحائط، من أجل بناء أكثر من حائط يجمع ما بقي من شتات شبابهما وحبهما، فيتسنى لهما أخيرا الحصول على “قبر الحياة”، وهما شبه أحياء.

كم هي غريبة ثقافة الموت التي تتملّك بعض الأحياء في وطني، وهم أحياء، ويا لَعَجب مُفارقات الحياة؛ فكأنمّا الحياة في شِرْعَتهِمْ وملّتهم حيّة رَقْطاء ينتظرون لدغتها في كل حين وآن وهُم يحبونها، كم يحبونها؟

ومن العامية التونسية أيضا التي تحوّلت مع الزمن إلى شبه مثل شعبي، والأمر يتعلّق مرة أخرى هنا بأحد الثلاثي الذهبي؛ “العمل” و”الزواج” و”المنزل”، أنه حين يفوت إحدى بناتنا قطار الزواج، وهي التي درست عقدين، وبحثت عن عمل لنحو سنتين، وعرفت من الرجال “طُزينتين” (العدد 12 مضاعف)، لترفضهم جميعا، إما دلالا منها أو تمنّعا، نظير خوفها على راتبها الكبير من أطماع “ابن الحلال” الخطير.

فحين يستفحل بها الدلال إلى أقساه ومن خيرة الرجال ما أقصاه، تتكلّم الحكمة حينها، لتكرّس الغباء، فتجيئها كبيرة العائلة، الفاتقة الناطقة، وتنطق صائحة والشرر يتطاير من عينيها “بُنيّتي.. ما يعيب الراجل كان مكتوبو، وراهو موش ناقص لا يد ولا ساق”، (لا شيء يعيب الرجل إلاّ ماله، فهو ليس مبتور اليد والساق)، وكأن من كان مبتور اليد والساق، محكوم عليه بالطلاق، حتى قبل البناء!

وفي باب العمل، وهو ثالث الأثافي الذهبية، يقول مثلنا الشعبي التونسي أيضا “شاقي ولا محتاج”، فأن تشقى وتشقى وتشقى.. ولا تحصّل من نعم راتبك سوى الفتات، وبالتالي تنتهي فيك الحياة قبل أن تبدأ، فذاك هو الاحتياج الحلال.

تلك هي إملاءات أجدادنا علينا، وبدورنا نُمليها على أبنائنا فيبثّوها لدى أحفادهم، ليتحوّل المثل الشعبي، من نعمة إلى نقمة، وإن جادلتهم، أو عارضتهم، أو كفرت ببُنيانهم المرصوص، نعتوك بألف علّة وعلّة، بل وأخرجوك من الملّة أصلا.

وقديما قال ابن خلدون عن تونس “في أفريقية وافق أو نافق أو غادر البلاد”.

24