ثلاث أمنيات للعام الجديد

الخميس 2014/01/09
حل الملف السوري يتصدر أمنيات العام الجديد

مرور أسبوع واحد فقط على رأس السنة، لا يعني أن الوقت قد أصبح متأخرا لأمنيات العام الجديد.على رأس تلك الأمنيات السلام في سوريا والعراق والمنطقة بأسرها، والتوصل إلى اتفاق نهائي يساهم في منع إيران من امتلاك أسلحة نووية، بالإضافة إلى التوصل إلى حلول تنهي الصراعات الدائرة في أفغانستان وباكستان والهند.

قد يرى البعض أن هذه الأمنيات تتجاوز إطار الواقع وتتطلع إلى عالم مثالي. لكن أخذ تحركات وتصريحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري في الاعتبار، كافيا ليرسم ملامح جديدة لهذا الواقع، بحلول الأشهر القادمة، حول الملف الإيراني والصراع العربي- الإسرائيلي، على الرغم من أن الفشل في تحقيق تلك الأهداف سيترتب عليه انقضاء كل أمنيات العام الجديد. في المنظور الأميركي، هناك ثلاث أمنيات رئيسية وعاجلة. أولها أن يقوم الرئيس أوباما، بتجميع وتحديث قواه الفكرية، ويحاول وضع أجندة تستند إلى عدد من الأفكار الشاملة.

في أحسن الأحوال، يظل الاقتصاد الأميركي يعاني من التراجع، وهو ما دفع مجلس الاحتياط الاتحادي إلى ضخ تريليون دولار سنويا في دورة الاقتصاد، من خلال شراء سندات وديون. انخفاض أسعار الفائدة بدوره قاد إلى احتفاظ الشركات بالسيولة النقدية لديها، في ظل الارتفاع الملحوظ في سوق الأسهم.

حتى الآن، يظل معدل النمو منخفضا للغاية، ولم تتراجع نسبة البطالة بعد، بينما قضايا الثروة والتوزيع غير العادل للدخل بدأت تتداخل (بشكل خاطئ) مع قضايا سياسية، تمثل قلب مسار انتخابات الكونغرس، المقرر إجراؤها هذا العام.

ما تحتاج إليه الولايات المتحدة بشكل عاجل هو برنامج واقعي لتطوير البنية الأساسية حتى تتماشى مع متطلبات القرن الجديد. يتطلب ذلك إنشاء بنك خاص لمشروعات البنية التحتية برأس مال يصل إلى تريليون دولار، وبرنامج تمويلي يمتد إلى 30 عاما، بخطة تحفيز تصل إلى 2- 3 في المئة لسعر الفائدة، يتم دفع قيمتها من الرسوم المسددة من قبل المستخدمين، بحيث تشمل تلك المشروعات خططا لتطوير جميع مكونات البنية التحتية، بدء بشبكات الكهرباء والإنترنت والموانئ، ووصولا إلى الطرق السريعة والتعليم.

أما ثالث الأمنيات، فتتصل بموقع السياسات المرتبطة بمصالح الولايات المتحدة الخارجية وأمنها القومي طبقا للمذهب الذي يعتنقه أوباما. فسياسة “القيادة من الخلف” التي يستمتع بها الرئيس أثبتت سلبيتها. كذلك التحول الاستراتيجي باتجاه آسيا، وارتباط ذلك بالتردد في اتخاذ خطوات مؤثرة في ملفات أكثر حساسية، كقضية حسم نتائج الحرب الأهلية في سوريا من خلال تقديم المساعدات العسكرية للثوار، أو وضع حد لصراع آخر يظهر في الأفق العراقي، نتيجة لضعف الحكومة في مواجهة تنظيم القاعدة وفروعه في الأنبار، كل ذلك لم يكن خطوة مثلى في سعي واشنطن إلى ترسيخ الروابط الأميركية مع حلفائها، أو القضاء بشكل نهائي على تطلعات أعدائها.

فكرة المذاهب الرئاسية ليست جديدة في مضمونها. فالرئيس الأميركي جورج واشنطن حذر من قبل (ضمن عقيدته أو مذهبه السياسي) من التمسك بنفس الحلفاء إلى الأبد، وأعلن بعده جيمس مونرو نصف الكرة الغربي منطقة خالية من أي استعمار أوروبي، وكذلك دوايت أيزنهاور وريتشارد نيكسون، كل منهما كانت له تصوراته ومذاهبه.

لكن يبدو أن الأميركيين رأوا في تصورات نيكسون أكثر واقعية وتحقيقا لتطلعاتهم. كانت هذه التصورات تستند إلى أن الدولة الفاعلة في أي إقليم يجب أن تهتم فقط بالقضايا المتعلقة بالإقليم المحيط بها، وأن تترك للولايات المتحدة مهمة توفير المظلة الجيواستراتيجية الكبيرة، من خلال التعاطي مع الاتحاد السوفيتي والقضايا العالمية الأخرى. وكانت تصورات نيكسون تقوم على إنشاء مثلث قوى تتقارب من خلاله واشنطن مع بكين لتحقيق التوازن العالمي المطلوب في تعاملهما مع موسكو.

التصور الآخر لنيكسون كان يقوم على ما أسماه “سياسة الركيزة المزدوجة”. تتلخص أبعاد هذه السياسة في الاعتماد على التحالف القائم بين السعودية وإيران، تحت حكم الشاه، الذي يرتكز في مضمونه على الخوف المتبادل بين السعوديين والإيرانيين تجاه الاتحاد السوفيتي. ورغم التنافس الطائفي بين البلدين، إلا أن التعاون الأمني بينهما كان له دور رئيسي في احتواء تلك الاختلافات، وكانت رؤية نيكسون، على الرغم من انتقاده أحيانا لأنظمة البلدين باعتبارهما نظامين ديكتاتورين، أن ذلك التعاون سيحافظ على المصالح العليا لواشنطن في منطقة الخليج.

يحتاج أوباما اليوم إلى تصورات تنبني في جوهرها على التعاون والتنسيق، بحيث تصبح الولايات المتحدة هي العامل المسهل، والحاسم في نفس الوقت، في تعاملها مع الدول الأخرى، من خلال شبكة مصالحها المتبادلة مع تلك الدول. بطريقة أوضح، سيكون على أوباما أن يؤسس ركيزة ذات ثلاثة أفرع، بدلا من فرعين فقط، تشمل دول المنطقة السنية والشيعية، وإسرائيل. العامل الرئيس الذي سيدفع هذه الدول إلى الجلوس معا هو خطر العدوى من فيروس الإسلام الراديكالي المنتشر في المنطقة، في شكل تنظيم القاعدة وذراعه الجديدة “داعش”.

في سوريا، تظل مهمة “تربيع" دائرة المعارضة، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية وقطر، صعبة، لكنها قابلة للتنفيذ. هذا يعني أن دور الروس من الممكن تحويله إلى دور أكثر إيجابية، من خلال فكرة محددة، وهو ربط سوريا بإيران، ثم بقضية الصراع العربي- الإسرائيلي.

التوصل إلى اتفاق نهائي مع الإيرانيين سيقود إلى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم، ومن ثم وضع خارطة طريق مستقبلية في سوريا. من الممكن، بعد ذلك، اقناع طهران بسحب حزب الله من سوريا، وممارسة ضغط على الأسد لإجباره على الجلوس على طاولة المفاوضات. إذا تحقق ذلك، فقد نشهد اتفاقا بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعده مباشرة.

قد يتصور البعض أن تلك الأمنيات بعيدة عن التحقق، لكن أحيانا ما يكون الارتقاء عن أرض الواقع ملحا للتوصل إلى “تصور سياسي” ناجع، وهو ما نحتاج إليه بشدة الآن.

7