ثلاث تحف سينمائية عالمية في مهرجان فينيسيا

فعاليات الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا تشهد مرور ثلاث تحف سينمائية ستدخل دون شك تاريخ السينما، حيث تجمع بينها التجارب الأكثر طموحا لمخرجيها الذين ينتمون إلى ثقافات وخلفيات فنية مختلفة.
الخميس 2018/09/06
"بيترلوو" إجهاض ثورة الإصلاح السياسي في بريطانيا

فينيسيا (إيطاليا) – تثبت الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا أنها ستكون عن حق “دورة تاريخية” بتميزها الواضح ببرنامج يحفل بالتحف السينمائية وباهتمام القائمين على المهرجان بتحقيق التوازن الدقيق بين الأنواع المختلفة: ما بين الفيلم التاريخي والخيالي وفيلم الرعب والويسترن والدراما الاجتماعية والسياسية.

بعد التحف السينمائية التي شاهدناها خلال الأيام الماضية ضمن فعاليات الدورة الـ75 من مهرجان فينيسيا، مثل “روما” للمخرج المكسيكي ألفونسو كوارون، و”أنشودة بستر كرودجز” للأخوين كوين، جاءت ثلاث تحف أخرى ستدخل دون شك تاريخ السينما، يجمع بينها كونها التجارب الأكثر طموحا لمخرجيها الذين ينتمون إلى ثقافات وخلفيات فنية مختلفة.

أول هذه التحف فيلم “بيترلوو” Peterloo للمخرج البريطاني مايك لي (75 عاما) الحائز على “الأسد الذهبي” في فينيسيا عام 2004 عن “فيرا دريك”، والمعروف بأفلامه التي تدور في محيط الدراما الاجتماعية النقدية، لكنه ابتعد عن دراما القاع الاجتماعي عندما قدم قبل خمس سنوات فيلم “مستر تيرنر” عن حياة الرسام البريطاني جوزيف تيرنر من القرن التاسع عشر، وهذه المرة آثر أن يعود إلى التاريخ يستلهم منه، ليس بغرض الهروب من الواقع، بل لفهم مغزى دروسه وتأثير أحداثه على الوضع القائم في الحاضر.

النخبة والعامة

يستلهم مايك لي من الأحداث السياسية الصاخبة التي أدت إلى المأساة الإنسانية التي وقعت في مانشستر في القرن الثامن عشر، حيث يتعرض فيلمه إلى الصراع الطبقي والنظام السياسي الفاسد المستبد الذي يستخدم القانون الذي يصنعه لخدمة مصالح المنتمين إلى الشريحة العليا، ويعري ويفضح التكوين الاجتماعي الظالم، ويكشف دموية وتفاهة “النخبة” البريطانية وشراستها في التعامل مع “العامة”، وكيف قاومت هذه النخبة بشراسة أي محاولة للتغيير وقمعت في مذبحة دموية “الربيع الإنكليزي” الذي تمثل في حركة الاحتجاج الكبرى التي نظمها الإصلاحيون في مدينة مانشستر عام 1819، رغم أنها كانت أساسا حركة سلمية رفض زعماؤها أي محاولة لتسليحها لحمايتها من العنف المنتظر من جانب السلطة.

وكانت هذه الحركة تستلهم من الثورة الفرنسية التي أطاحت بالنظام الملكي في فرنسا، لكن طموحها لم يتجاوز أكثر من الحصول على بعض الحقوق الطبيعية مثل حق التصويت للجميع (كان قاصرا على طبقة اجتماعية معينة) والتمثيل النيابي لمختلف المقاطعات (لم تكن مانشستر مثلا بجميع بلداتها ممثلة في البرلمان).

مايك لي يستلهم في فيلمه "بيترلوو" من الأحداث السياسية الصاخبة التي أدت إلى المأساة الإنسانية التي وقعت في مانشستر في القرن الثامن عشر
مايك لي يستلهم في فيلمه "بيترلوو" من الأحداث السياسية الصاخبة التي أدت إلى المأساة الإنسانية التي وقعت في مانشستر في القرن الثامن عشر

ويصوّر مايك لي بمهارة وباستخدام أرقى ما وصلت إليه تكنولوجيا الصورة وما بلغته موهبته في العمل مع الممثلين مع القدرة على السيطرة على المجاميع الضخمة، ملامح الفترة التاريخية بمنتهى الدقة كالأزياء والإكسسوارات والديكورات.. إلخ، ويرصد تنامي حركة الاحتجاج على مستوى الريف وبين الأفراد، كما ينتقل بين الريف والمدينة، وبين ممثلي الطبقة الحاكمة وأفراد الشعب من الأسر العمالية الفقيرة، ويعيد الاعتبار لدور المرأة وما قدّمته من تضحيات هائلة في تلك الفترة تمثلت في العمل المنظم ضمن حركة الإصلاح، ويكشف شراسة الطبقة الحاكمة في الدفاع عن مصالحها ورفض تقديم أي تنازلات.

ويجيد لي من خلال السيناريو البارع رصد التصاعد التدريجي، على المستويين النفسي والسياسي، وصولا إلى التجمع السلمي الذي ضم نحو 60 ألف شخص في ساحة القديس بطرس في مانشستر، حيث لجأت السلطة إلى استخدام القوة، وأطلق رجال الجيش النار فقتلوا بوحشية 15 شخصا وأصابوا مئات آخرين.

رسالة فيلم مايك لي واضحة، وهي أن الطبقة الحاكمة لم يكن من الممكن أن تقدم أي تنازل إلاّ بالمواجهة العنيفة على غرار الثورة الفرنسية، وأن قرار رفض التسلح الذي تصدى له الزعيم الكاريزمي للإصلاحيين القادم من العاصمة لندن هنري هنت كان قرارا خاطئا، خاصة وأنه يكشف انتماء هنت إلى طبقة كبار ملاك الأراضي، وميله إلى التساهل مع “المؤسسة”.

كانت حركة الاحتجاج المطالبة بالإصلاح قد نشأت في أعقاب النصر على جيش نابليون بونابرت في ووترلوو (الذي نشاهده في بداية الفيلم)، بعد أن شعرت أسر الجنود الذين ضحوا بحياتهم في الحرب القاسية مع فرنسا، بأنها في حاجة إلى الحصول على حقوقها المهضومة من جانب السلطة، وجاءت تسمية الفيلم “بيترلوو” على غرار “ووترلوو”، كما لو كان قتال الأعداء في الخارج مرادفا لقتال الشعب في الداخل.

سحر الويسترن

التحفة الثانية التي تجعل الدورة الـ75 من المهرجان دورة إعادة اكتشاف سحر أفلام “الويسترن”، هي فيلم “شقيقا الأختين” The Brothers Sisters وهو ثاني تحف الويسترن التي نشاهدها في المسابقة بعد تحفة الأخوين كوين “أنشودة بستر كرودجز”.

وهذا أيضا أكثر أفلام مخرجه الفرنسي جاك أوديار طموحا، والمفارقة أنه أول أفلامه الناطقة بالإنكليزية وأنه يخوض منافسة كبيرة من خلال هذا النوع، أي الويسترن مع تاريخ سينمائي أميركي حافل بتحف الويسترن التي جاءت من هوليوود.

ورغم أنه فيلم أميركي يتوجه للسوق الأميركية أساسا، إلاّ أنه شأن الأعمال العظيمة في الفن، يتجاوز أميركيته ويصل إلى العالم على غرار أفلام الإيطالي سرجيو ليوني التي تجاوزت الحدود واستقرت في ذاكرة السينما.

ولكن على حين كانت أفلام ليوني (الإسباغيتي) تروي قصصا تحمل مغزى سياسيا ضمنيا يرتبط بالاتجاه النقدي الاجتماعي في سينما الستينات الإيطالية، يدور فيلم أوديار القادم من مجال الفلسفة الفرنسية حول “ثيمة” الحياة والموت، الوجود ومغزاه وهدفه، ماذا يمكن أن نفعل بأنفسنا؟ وهل يمكن للمرء أن يتوقف عمّا يفعله، ويوقف دائرة الشر الجهنمية التي يندمج فيها لأنه لا يملك شيئا آخر يفعله، أم أنه مدفوع بقوة لا يملك لها دفعا تدفعه نحو مصيره؟

وقد اجتهدنا في ترجمة عنوان الفيلم، فليس معروفا بالضبط من هما الأختان وهل هما أختان أم أخوات، لكننا نعرف منذ البداية أن لدينا شقيقين هما بطلا الفيلم: “شارلي” و”إيلي”، يقوم بالدورين جواكيم فينيكس وجون ريلي، في مباراة تمثيل رائعة تذكرنا بأداء بطلين من أبطال عصر الويسترن الذهبي: جيمس كوبرن وكارل مالدن.

الشقيقان قاتلان محترفان يعملان لحساب شخصية غامضة، رجل صاحب نفوذ من الطامعين في الاستحواذ على الثروة في أميركا 1851 يدعونه “الكومودور”، وهو يرسلهما لتعقب رجل يدعى هيرمان وارم (يقوم بالدور ببراعة كبيرة ريز أحمد) وهو رجل نحيف وقصير وأسمر، سنعرف في ما بعد أنه صيدلي وأنه اكتشف مادة يمكن عند خلطها بالماء أن تكشف حبيبات الذهب في الصخور.

وهدف الشقيقين ليس اغتيال الرجل، بل الحصول أولا على سر هذه المادة، وهما يقتفيان أثره وصولا إلى الطرف الأقصى في الغرب الآخر، أي المحيط الذي يتطلعان إليه للمرة الأولى في حياتهما، لكن هناك رجلا آخر هو المخبر الخاص “موريس” الذي كلفه الكومودور بأن يسبقهما ويجمع المعلومات عن هذا الصيدلي، ونحن نستقبل الفيلم من خلال ما يدوّنه من نصائح وتعليمات يتركها وراءه للشقيقين اللذين لا يعرفان شيئا عن الحياة الحديثة ويصبح اكتشاف فرشاة معجون الأسنان أمرا مدهشا بالنسبة لهما.

على حين يبدو شارلي رغم شجاعته ومهارته الواضحة في التصويب، محدود الأفق، نافد الصبر، أحمق، يميل لحسم الأمور باستخدام العنف، يبدو إيلي أكثر ميلا للعزلة والتأمل والتطلع إلى الماضي، بل إنه يطرح على شقيقه قبل أن تكتمل المهمة، فكرة التقاعد والعودة إلى البلدة الأصلية، إلى أمهما التي غابا عنها طويلا بعد أن فقدا الأب (هناك أيضا قصة مأساوية تتعلق بالأب ومصيره).

وفي أحد المشاهد يقول إيلي لشقيقه “ما فائدة الوجود إن لم يكن له معنى؟”، والحقيقة أن من أجمل عناصر الفيلم الحوار المكتوب ببراعة، وهو بعيد عن المباشرة ويبدو طبيعيا ومتسقا مع الشخصيات ويعكس معالم الاختلافات بينهما.

سياق السرد تقليدي يسير إلى الأمام، ويحتوي الفيلم على كل عناصر الويسترن التي نعرفها جيدا: البحث عن الذهب، المبارزات بالأسلحة والمطاردات بالخيول، القتل الجماعي داخل البار ثم الهرب في اللحظة الأخيرة، لحظات اليأس ومفاجآت التحوّل من القوة إلى الضعف وإلى المرض والموت، وانقلاب الحلم إلى كابوس.

هناك مقاومة مستمرة لفرق الأشرار التي يبعث بها الكومودور لقتل الشقيقين بعد أن يعقدا اتفاقا مع الصيدلي على اقتسام الذهب الذي سيعثران عليه، لكن لا وجود هنا للهنود الحمر ولا للبطل المنتصر، بل يبدو البطلان كما لو كانا يخوضان المغامرة الأخيرة لهما التي ستفضي في النهاية إلى مصير مختلف تماما.

"شقيقا الأختين" يخوضان معركتهما الأخيرة
"شقيقا الأختين" يخوضان معركتهما الأخيرة

ولا توجد في الفيلم امرأة سوى العاهرة التي يريد أن يقضي معها إيلي وقتا طيبا، لكنه يريدها أن تقوم بتمثيل دور رومانسي لا تقدر عليه حتى يمكنه تقبيلها فقط، وهناك المرأة التي أطلقت اسمها على بلدة من بلدات الغرب الأميركي وهي المتحكمة في الأمور، تمتلك البار التقليدي، ولكنها ليست امرأة تماما فهي تتنكر في ملامح رجل، تدير عصابة من الخارجين على القانون، وتعمل على التخلص من الشقيقين، لكنها تواجه مصيرا تعسا.

يتمتع الفيلم بالجاذبية الشديدة من الناحية البصرية: التصوير البديع للطبيعة الأميركية في الغرب، عمق مجال حركة الكاميرا التي تشي بالتوتر والقلق، الألوان التي تتسق مع المزاج النفسي للمشهد والتحوّلات التي تحدث عند الشخصيتين مع تقدّم الحبكة، فهذا عمل متكامل يحقّق متعة المشاهدة، وعمق الفكر، ولعله لا يقل قوة وجمالا عن الفيلم الكلاسيكي الشهير “العصبة المتوحشة” لسام بكنباه.

بوابة الأبدية

التحفة الثالثة هي فيلم “عند بوابة الأبدية” At the Eternity Gate للأميركي جوليان شنابل (66 عاما) الذي يقدّم أفضل أفلامه وأكثرها قربا إلى نفسه وهو الرسام أصلا، عن الرسام العظيم فنسنت فان غوخ.

يتناول الفيلم الأيام الأخيرة في حياة الفنان خلال فترة إقامته في أرل Arles بجنوب فرنسا: معاناته من أجل فهم الطبيعة وتصويرها، علاقته المضطربة بالناس ورغبته في الابتعاد عنهم، شعوره المحموم باقتراب النهاية، ولذلك كان يرسم بسرعة وينجز أعمالا كثيرة جدا، واضطرابه العقلي وقضاؤه فترة في مصحة للمرضى العقليين، مشاعره الدينية وحسه الذاتي بالتقرب من الله عن طريق الفن، وفي الفيلم مشهد رئيسي يدور خلاله حوار ممتع بين الفنان والقس حول الفن والإنسان والحياة والموت والجمال والقبح.

يجعل شنابل فيلمه يبدو كما لو كان مصوّرا في لقطة طويلة واحدة ممتدة تعكس التوتر والقلق والاضطراب النفسي والعذاب الذي تعاني منه الشخصية، باستخدام الكاميرا المتحركة الحرة، التي تجوس بين الأشجار، ترصد عزلة الفنان وجنونه، تصوّر كيف تستبد به الرغبة في التمسك بصديقه غوغان معه في عزلته بعيدا عن صخب المدينة، إلى درجة أن يقطع أذنه ويرسلها إلى غوغان بعد أن يصر على العودة إلى باريس “لقد أصبحت الآن فنانا راسخا أريد أن أقترب من الناس”.

ويصوّر الفيلم جوانب من علاقة فنسنت بشقيقه ثيو تاجر اللوحات الذي كان يعطف عليه ويدعمه ماديا قبل أن يقر بعبقريته كفنان.

ويدور في الفيلم حوار بين غوغان وفنسنت، يعترض خلاله غوغان على الاستخدام المكثف للألوان من جانب فان غوخ ويصف رسوماته بأنها أقرب إلى أعمال النحت، كما ينصحه بالتقليل من اندفاعه وسرعته في الرسم بينما يبدو الفنان مدفوعا إلى الانتهاء من أكبر كم من اللوحات، فعلاقته بالطبيعة متنفسه الوحيد، وهي التي تجعله يظل على قيد الحياة، وهو يقول للقس “إن الله خلقه لكي يرسم”، وعندما يسأله القس “وهل تسمي لوحة كهذه فنا؟ أليست عملا قبيحا؟”، يقول له الفنان إن الله أراده أن يرسم ربما لكي يتذوّق لوحاته جمهور سيأتي في ما بعد، ويقول إن وجوده أمام المناظر الطبيعية يجعله يشعر بأنه أمام بوابة الأبدية.

هذا عمل بديع من الناحية البصرية، يريد مخرجه أن يحاكي أجواء عالم فان غوخ التشكيلية، وقد وفق مخرجه وفريق إنتاجه في محاكاة اللوحات الأشهر من أعمال الفنان الكبير.

وفي الفيلم الكثير من لوحات فان غوخ، أما ما يجعل الفيلم عملا كلاسيكيا معاصرا كبيرا إلى جانب السيناريو المتقن المتوازن الذي كتبه شنابل مع جان كلود كاريير، فهو الأداء العبقري للممثل الأميركي وليم دافو في واحد من أعظم أدواره منذ أن بدأ مشواره في عالم التمثيل، لكن مشاهدة واحدة لهذا الفيلم الكبير لا تكفي.

وليم دافو تفوق في دور فان غوخ
وليم دافو تفوق في دور فان غوخ

 

16