ثلاث حكايات صينية تثبت أن الحب والجنس كالحرب 

الكاتبة الصينية وانغ آن يي تحاول في حكاياتها الثلاث مقاربة ظاهرة الحب من منظور ثقافتها الصينية، وهي في سبيل ذلك تحكي عنه عبر ثلاث تجارب مختلفة.
السبت 2018/08/04
حرب شرسة تعمق الشعور باللذة

تكتب الكاتبة الصينية وانغ آن يي رؤيتها للحب في حكاياتها الثلاث التي تضمنها كتابها “عشاق من الشرق” باعتباره حربا لا أمل في أن تضع أوزارها بين العاشقين، وشهوة لا تقبل الاستسلام للقيود، إنها حرب شرسة لكنها تعمق الشعور باللذة وتكشف المستور من مكنونات الجسد، حتى إنها تقول “إن الحبَّ في الواقع حربٌ، تلك الحربُ أبدية وشرسة حقّا”. وهي تقدم هذه الرؤية بشفافية وصبر ونقاء نسّاج تفرد الخيوط وتلقطها بأصابع عارفة وغزلها، ترسم مشاهد نمو الحب في الجسد والروح، تطارد حركة الحواس والأعضاء وترصد شبقها الجنسي، وتكشف بهاء النظر واللمسة والكلمة وشهقة اللذة.

وانغ آن يي في الحكايات الثلاث “حب البلدة الصغيرة”، و”حب الجمال”، و”حب الجبل العاري”، الصادرة أخيرا عن أكثر من دار نشر بالتعاون مع بيت الحكمة للثقافة والإعلام بترجمة آية طلعت وتحرير وتقديم محمد ماهر بسيوني، تحاول مقاربة ظاهرة الحب من منظور ثقافتها الصينية، وهي في سبيل ذلك تحكي عنه عبر ثلاث تجارب مختلفة، بوعي منها لتعقد تلك الظاهرة وعدم قابليتها للتكرار، فكل علاقة حب هي تجربة خاصة وفريدة لا تتكرر وإن بدت غير ذلك. فالحب لا يولد من فراغ، بل هو يعبر عن نفسه كحدث يجري في إطار اجتماعي ونفسي يتغير حسب سيرورة المجتمعات وتطورها، فعلاقة الحب المكتوب لها النجاح في مسار اجتماعي ما قد تعد مستحيلة في سياق اجتماعي آخر.

وقال بسيوني في مقدمته إن الكاتبة تطرح قضية الحب مجسدة في شخصيات روائية، تحمل بالتأكيد ظلالا من خبرتها الشخصية مع تلك العاطفة الإنسانية، وتعرض تفاعلات متناقضة تناقُض النفس الإنسانية في جدليتها مع المؤثر الواحد الذي تنتج عنه استجابات متغايرة، شارحة حقيقة أن كل قصة حب هي عالم قائم بذاته ومستقل بنفسه وإن تشابهت العناصر وتماثلت الحوادث، التي تعطي لكل تلك التجارب العاطفية مسمى واحدا. حين نقرأ تلك الحكايات الثلاث -الأقرب إلى سمفونية من ثلاث حركات، تمنحنا كل حكاية منها تجربة حب مختلفة وفريدة- سوف نجد وصفا لتلك العاطفة التي خضناها يوما ما، أو ظننا أننا خضناها، دون أن نقدر على التعبير عنها أو تفسيرها، وذلك هو سحر الأدب الذي يتكلم عنا وينطق بلساننا عما ذقناه وعرفناه وسبرنا أغواره، مع عجزنا عن الإفصاح عنه.

مشاهد نمو الحب في الجسد والروح
مشاهد نمو الحب في الجسد والروح

ويضيف “في حكايتها الأولى ‘حب البلدة الصغيرة‘ تقص علينا الروائية حكاية عن الحب في انفجارته العصبية، أو ذلك النمط من الحب الذي أسماه عالم علم النفس الشهير إريك فروم: التجربة البذيئة للوقوع في الحب. وإذا ما نظرنا إلى بطلي الحكاية الأولى نجد البطلة تعاني الوحدة، حتى إن جارتها في الغرفة تشعر بالقرف منها، وكذلك نجد البطل يشاركها تلك الوحدة، فلا نعرف له حياة خاصة خارج غرفة التدريب على الرقص. وحين تتوطد علاقتهما ويبدآن في الشعور بالانجذاب الجنسي يدخلان في الطور الثاني من ذلك النمط من أنماط الحب. وقد وصفت الكاتبة الخطوات البذيئة والانفجارات العصبية التي شكلت حب بطلينا في مشهد بديع لا يمكن لمن يقرأه أن يتخيل أن يكون فاتحة لقصة حب:

“وحين يساعدها في فتح قدميها، تتولد في قلبه أفكار شريرة، فيريد إيذاءها، ويبذل قوة خارقة؛ فتصرخ صراخا حادّا كالصفارة، يصيبه بالذعر، وتلين يداه، ويترك ركبتيها؛ فتقرب ركبتيها من بعضهما، وتحتضنهما بذراعيها أمام صدرها، وتستمر في الصراخ، ثم تشتمه، تشتمه بكلام قبيح للغاية لا يتفوه به سوى الرجال، على سبيل المثال: اللعنة عليك”.

ورأى بسيوني أن الحكاية الثانية “حب الجمال”، تمثل نمطا آخر من أنماط الحب، وهو ذلك الحب المفاجئ الذي يأتي فجأة وعلى غير انتظار، حتى إنه يعد ظرفا قدريا للسعادة، بقدر ما يبدو غامضا، مقاوما لكل أشكال العقلنة، لا يدري أحد سببه، أو كما قال بطلا الحكاية بطريقة مرتبكة ولكن في لهجة حاسمة، وقد أصيبا بالدهشة لوقوعهما في الحب إذ قالا “الحب لا يحتاج سببا”.

تمنحنا الكاتبة فرصة التأمل في ما تضمنته حكايتها الثانية من درس قدري عن عبثية الحب العابر، فقد نشأ حب بطلينا نتيجة لقاء استثنائي؛ رحلة عمل. أما ما يجعل ذلك الحب غير مرغوب فيه، فهو حقيقة أن بطلتنا متزوجة. تصفها الكاتبة “إنها امرأة متزوجة، وبسبب كونها متزوجة، اعتادت كثيرا على الرجال، لدرجة أنها لم تعد تشعر بالفرق واللقاء الجنسي. فقد عاشت تحت سقف غرفة ضيقة مع رجل طيلة حياتها، ولم يعد هناك غموض بينهما منذ زمن، فكشفا كل شيء، ولم يعد هناك سرّ يمكن قوله. لقد فقدت هي وهو الاختلاف الجنسي مبكرا، تبعه فقد الارتجاف الفضولي الناشئ عن هذا الاختلاف أيضا بينهما. لقد نسيت ذلك الارتجاف الفضولي وأصبح غريبا، وعند مجيء هذا الارتجاف ثانية، تولد لديها شعور الحب الأول”.

أما الحكاية الثالثة “حب الجبل العاري”، فأكد بسيوني أنها تحوي حكاية عن الحب حيث يظهر فيها التأثير الاجتماعي والثقافي على مسار الحب ومصيره، فهي قصة صينية خالصة لا يمكن تصور حدوثها إلا في الصين، بما تحمله من أصداء للأعمال الكلاسيكية العظيمة، مثل “رحلة إلى الغرب”،
و”حلم القصور الحمراء”، وغيرهما. فجندي الجيش مثلا حين يحاول أن يلفت انتباه بائعة الثمار المجففة، التي ترى أن “الشخص الذي يعتمد على سلطته لإغراء النساء، لا يعدّ رجلا في الأساس. وأن الرجل الجيد يجب أن يكون أعزل، لا يعتمد على أي شيء خارجي، يعتمد فقط على كونه رجلا، للحصول على المرأة”.

15