ثلاث سنوات من عزلة قطر: الاستقواء بأردوغان لا يرمم الخسائر

فشل الدوحة في رفع العقوبات العربية عنها أدى إلى توسيع دائرة نشاطها في المراهنة على قوى الإسلام السياسي.
الجمعة 2020/06/05
قطر اليوم لم تعد هي ذاتها قطر ما قبل 5 يونيو 2017

مع مرور ثلاث سنوات على إعلان الدول العربية الأربع (السعودية والبحرين والإمارات ومصر) قطع العلاقات بكل إشكالها مع قطر تنديدا بدعم الدوحة المتواصل للإرهاب وأجندة الإسلام السياسي التخريبية في المنطقة، يعتقد متابعون أن طريق المصالحة الخليجية ما زال بعيدا في ظل تعنت النظام القطري واختياره الاستقواء بالقوى الأجنبية مثل تركيا وإيران، على حساب الأمن القومي لدول الخليج والمنطقة العربية.

تدخل المقاطعة العربية لقطر اليوم عامها الرابع، بينما تؤكد أغلب المؤشرات أن الحل لا يزال بعيدا، وأن النظام القطري باق في عزلته داخل محيطه، بسبب استمراره في غيه، وعجزه عن مراجعة مواقفه العدوانية تجاه أشقائه نتيجة خضوعه التام لمشروع جماعة الإخوان التي تهيمن على قراره السياسي وطاقم المستشارين المستورد المستفيد من الوضع الحالي، والارتماء بالكامل في أحضان المشروع الأردوغاني العثماني الجديد، استجابة لرغبة نفسية مرضية بالبحث عن دور كبير للكيان الصغير عساه يناطح به في سبيل زعامة وهمية لمنطقة الخليج أو المنطقة العربية.

وأعلنت أربع دول عربية هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر في الخامس من يونيو 2017 مقاطعتها للنظام القطري، بعد أن أخل ببنود اتفاقية الرياض للعام 2013، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دوله، إلا في حال موافقة دوله وعدم دعم الفئات المارقة المعارضة لدوله وعدم دعم الإعلام المعادي، وعدم دعم الإخوان المسلمين أو أي من المنظمات أو التنظيمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول المجلس عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم قيام أي من دول مجلس التعاون بتقديم الدعم لأي فئة كانت في اليمن ممن يشكلون خطرا على الدول المجاورة لليمن.

ثم وقع النظام القطري على بنود الاتفاقية التكميلية للعام 2014 ومنها امتناعه عن دعم الجماعات المعارضة والعدائية في دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى اليمن ومصر، وعدم إيواء أو توظيف أو دعم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الداخل أو الخارج أي شخص أو أي وسيلة إعلامية ممن له توجهات تسيء إلى أي دولة من دول مجلس التعاون.

أكدت الوثيقة ضرورة التزام كل دولة باتخاذ كافة الإجراءات النظامية والقانونية والقضائية بحق من يصدر عن هؤلاء أي تجاوز ضد أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما في ذلك محاكمتهم، وأن يتم الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام. وكذلك التزام كافة الدول بنهج سياسة مجلس التعاون لدول الخليج العربية لدعم جمهورية مصر العربية والإسهام في أمنها واستقرارها والمساهمة في دعمها اقتصاديا، وإيقاف كافة النشاطات الإعلامية الموجهة ضد مصر في جميع وسائل الإعلام بصفة مباشرة أو غير مباشرة بما في ذلك ما يبث من إساءات على قنوات الجزيرة، وكذلك السعي لإيقاف ما ينشر من إساءات في الإعلام المصري.

لكن الدول الأربع تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن النظام القطري لم يلتزم بأي من تعهداته السابقة، واختار الاستمرار في مراوغاته وتآمره على أمنها القومي بالتحالف المعلن مع القوى الإقليمية ذات الأهداف التوسعية على حساب الدول العربية وبدعم الجماعات الإرهابية والمتطرفة العاملة في هذا الاتجاه، وتحريك الخلايا التخريبية بهدف بث الفوضى في المجتمعات الآمنة، وتجييش أبواقه الإعلامية وجيوشه الكرتونية للمساس من الأنظمة ورموزها، وتحويل الدوحة إلى مركز لتصدير المشاريع العدوانية والترويج لمخططات الفوضى الهدامة على غرار ما سمي بثورات الربيع العربي، معتمدا في ذلك على تيارات الإسلام السياسي ودعاة العنف والتكفير وتزوير الحقائق وفبركة الوقائع لبلورة رأي عام محلي وإقليمي ودولي ضد الأنظمة التي يرى أنها تعرقل خطواته لتعميم حالة الخراب الممنهج.

الالتفاف على الشروط

تعنت النظام القطري واختياره الاستقواء بالقوى الأجنبية
تعنت النظام القطري واختياره الاستقواء بالقوى الأجنبية 

عندما أعلنت الدول الأربع في الخامس من يونيو 2017 قرارها بمقاطعة قطر، طرحت عددا من الشروط للتراجع عن ذلك القرار من ذلك قيام قطر بالإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية الجاري إنشاؤها آنذاك ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل الأراضي القطرية، وإعلان قطر قطع علاقاتها مع جميع التنظيمات الإرهابية والطائفية والأيديولوجية وعلى رأسها تلك التنظيمات التي تهدد مملكة البحرين وغيرها من منظمات وردت في قائمة المنظمات التي تدعمها قطر ومن أبرزها جماعة الإخوان وداعش والقاعدة وفتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وحزب الله اللبناني، وإدراجها ككيانات إرهابية وضمها إلى قوائم الإرهاب وإقرارها بتلك القوائم والقوائم المستقبلية التي سيعلن عنها.

كما شملت المطالب إيقاف جميع أشكال التمويل القطري لأفراد أو كيانات أو منظمات إرهابية، وكذلك المدرجين ضمن قوائم الإرهاب في الدول الأربع، والقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها، وقيام قطر بتسليم جميع العناصر الإرهابية المدرجة والعناصر المطلوبة لدى الدول الأربع، والعناصر الإرهابية المدرجة بالقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها والتحفظ عليها وعلى ممتلكاتها المنقولة وغير ‎المنقولة إلى حين التسليم، وعدم إيواء أي عناصر أخرى مستقبلا والالتزام بتقديم أي معلومات مطلوبة عن هذه العناصر خصوصا تحركاتها وإقامتها ومعلوماتها المالية وتسليم كل من أخرجتهم قطر بعد قطع العلاقات وإعادتهم إلى أوطانهم، بالإضافة إلى إغلاق قنوات الجزيرة والقنوات التابعة لها.

وحاول النظام القطري أن يلتف على تلك الشروط ضمن خططه المعهودة بالانقلاب على التزاماته وتعهداته، وأن يخترق الصف المقاطع باستمالة طرف دون آخر، وقام بتحركات على مستوى العالم بأسره بحثا عن منفذ للضغط على الدول الأربع حتى تتجاوز عن سوابقه بفتح صفحة جديدة، دون أن ينضبط للشروط، أو يستجيب للمطالب، واتجه الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر إلى العواصم الكبرى كواشنطن وموسكو وبرلين ولندن وباريس وغيرها معتمدا على دبلوماسية الصفقات في محاولة منه لكسب دعم دولي ضد ما وصفه بالحصار الذي يستهدف بلده، لكنه فشل في تحقيق أي من أهدافه.

كما سعى النظام القطري إلى تمويل حملات واسعة بعضها إعلامي وبعضها حقوقي وتحريك لوبيات الضغط في أغلب العواصم المؤثرة بما في ذلك اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لتشكيل رأي عام عالمي داعم له في مواجهة الدول الأربع، لكن دون جدوى، فحاول أن يعوض ذلك بالتبعية التامة للنظامين التركي والإيراني، ليقع في دائرة الخطأ مرة أخرى بالكشف عن طبيعة تحالفاته، التي لا تخرج عن دعم الإرهاب والسعي إلى اختراق الدول العربية، وليجد نفسه في موقع التابع الذليل المكلف بتمويل أهداف أردوغان علنا ومشاريع الملالي سرا.

فشل قطري

بسبب المقاطعة والعزلة تحولت قطر إلى دولة تواجه صعوبات مالية واقتصادية
بسبب المقاطعة والعزلة تحولت قطر إلى دولة تواجه صعوبات مالية واقتصادية

أدى فشل النظام القطري في الضغط إقليميا ودوليا لرفع العقوبات العربية عنه، إلى توسيع دائرة نشاطه في المراهنة على قوى الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي ودعم الجماعات الإرهابية والميليشيات الخارجة عن القانون وفي تشكيل بنية تكفيرية على صعيد واسع، وصلت إلى دول غربية كالولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، من خلال تجنيد الجاليات المسلمة واللعب على حبال الأقليات، وذلك ضمن مشروع إنغماسي داخل المجتمعات الأخرى، بحثا عن دور يتجاوز حجمه الجغرافي والسياسي والحضاري.

أما في داخل قطر، فقد أصبح القرار الأمني بيد الأتراك في ظل عدم ثقة الأمير بالأسرة الحاكمة، والقرار السياسي بيد المستشارين الأجانب وأغلبهم من ذوي الأجندات المتطرفة.

وتم تهميش الشعب القطري بشكل غير مسبوق، والاكتفاء بالاعتماد على الأصدقاء الشخصيين للأمير وجناحه داخل الأسرة، وتعرضت الأفواه للتكميم والحقائق للتعتيم واستشرى الفساد في ظل الاستقواء بالأجنبي على حساب أبناء البلد، وتم تقسيم أراضي الشعب القطري على ضيق مساحتها لتتحول إلى مقسمات لاحتضان القواعد الأجنبية الجديدة أو توسيع السابق منها، وأصبح النظام القائم مجرد خرينة للمال الذي يصرف على البعيد قبل القريب، وعلى الإرهاب والميليشيات المسلحة في المنطقة والعالم، وعلى شراء شهادات الشكر والثناء، واستدرار التعاطف الدولي، لضمان اكتساب شرعية وهمية في مواجهة محاولات الانقلاب على الأمير الحالي، وهي محاولات تثبت خروجه عن دائرة الوفاق الأسري والولاء الشعبي وتحوله إلى سبب مباشر في كل المشاكل التي تواجه بلاده داخليا وخارجيا. 

وبسبب المقاطعة والعزلة، تحولت قطر إلى دولة تواجه صعوبات مالية واقتصادية، حيث تعاني من أزمة في القطاع السياحي وشح الاستثمارات وانهيار منظومة الخدمات ومنها الطيران، وارتفاع تكاليف المواد المستوردة من الدول البعيدة بعد أن كانت تصلها من الدول الجارة، ونتيجة الابتزاز التركي المفضوح، وصرف موازنات ضخمة على شراء الولاءات أو على توفير الحماية للنظام وعقد الصفقات غير المبررة وخاصة في مجال التسليح لنيل رضاء الدول الكبرى، وهو ما أثر على الوضع الداخلي الذي يمكن الاكتفاء لتفسيره بوضع العمال الأجانب وخاصة في مشاريع بنية كأس العام 2022 بعد مرور أشهر طويلة دون حصولهم على رواتبهم، وعندما فاجأ فايروس كورونا المستجد قطر، ثبت عجز السلطات عن مواجهته، فتم تسجيل نسب من الإصابات تعتبر من الأعلى عالميا مقارنة بعدد السكان وإمكانيات الدولة.

وبنظرة خاطفة، يمكن التأكيد على أن قطر اليوم لم تعد هي ذاتها قطر ما قبل 5 يونيو 2017، فكل شيء يتراجع إلى الوراء بما يعلن نهاية قصة النهضة والازدهار والرفاه، كما أن التحولات العالمية الكبرى في مجالات إنتاج وتصدير الغاز باتت تهدد الطفرة المالية، كما أن العلاقات الدولية تمر بفترة ركود، لا يغطيها إلا الاندفاع إلى أحضان أردوغان وتمويل وتبني مشاريعه التخريبية في المنطقة، أو الالتحاف بعباءات النظام في طهران بحثا عن وساطات ميؤوس منها مع الغرب للظهور في صورة النظام القادر إقليميا على حل الأزمات. 

7