ثلاث سنوات وتستمر المجزرة

الخميس 2016/08/25

قبل ثلاث سنوات من اليوم نام أطفال الغوطة، ثم لم يصحوا بعد ذلك أبدا. لقد فاجأهم النظام السوري بالغازات السامة الخانقة التي قضت على أكثر من 1466 منهم دفعة واحدة.

خرق النظام الأسدي خطوط باراك أوباما الحمراء. وبلعبة ماكرة بين الحكومتين الأميركية والروسية وبإيحاء صهيوني تم تمرير ذلك، لقد كانت خطوطا وهمية لا أكثر. فلن تعود الحقوق إلى أهلها بنتيجة تسليم الترسانة الكيمياوية التي امتلكها نظام الأسد باعتبارها سلاحا استراتيجيا في وجه “العدو الصهيوني” والتي لم تستخدم قط إلا في وجه الشعب السوري.

وعلى اعتبار أن هنالك “مجتمعا دوليا” وأن هناك منظمات دولية ومحاكم وقوانين واتفاقيات دولية تحرّم استخدام الأسلحة التي من شأنها أن تفتك بالمدنيين وتعاقب مستخدميها ومنها الأسلحة الكيمياوية التي استخدمها الأسد في الغوطة، وأدت إلى هذه المجزرة المروعة بحق الأطفال وغيرهم من المدنيين، فإن بقاء بشار الأسد وعصابته خارج المحاسبة يعتبر خرقا لكل تلك المؤسسات والقوانين والاتفاقيات الملزمة، وهذا بحد ذاته يعتبر، لا فقط تواطؤا من قبل المتحكمين بالنظام والمنظمات الدولية على الجريمة الشنيعة، بل إعطاء ضوء أخضر لهذه العصابة لتمارس جرائمها بكل طمأنينة ولتتوسع في ممارستها على مدى السنوات التالية، لتضحى تلك الجرائم متمتعة بغطاء دولي فتصبح خارج المساءلة والمحاسبة.

حين أعلنت الإدارة الأميركية تحريك حاملة الطائرات في المتوسط باتجاه السواحل السورية، تحركت قوات النظام وغادرت المواقع العسكرية ولجأت إلى المدارس والمشافي باعتبارها مرافق إنسانية لن تطالها الصواريخ الأميركية. هذه المعلومات وردتنا يومها من العاصمة السورية وهي صحيحة مئة في المئة. لكن كانت للإدارة الأميركية مصلحة في استمرار الأسد فجاءها الحل بتسليم الترسانة الكيمياوية.

كانت المدارس والمشافي الملاذ لقوات الأسد من جحيم الصواريخ الأميركية المتوقعة، وباتت اليوم أهدافا دائمة لصواريخ طائراته وطائرات الاحتلال الروسي في المدن السورية المحاصرة بالنار والجوع، التي لا تتمكن المنظمات الدولية من إيصال اللقاحات والأدوية وحليب الأطفال إليها!

دفن أهل الغوطة ضحاياهم، وسلم الأسد ترسانته من السلاح الكيمياوي، و”ترك” بدون حتى سند إقامة أو كفالة مالية، ليعود إلى ما تعهده به أباطرة العالم من تدمير لسوريا وقتل وتهجير لشعبها.

لم يكن النظام الأسدي عصيا على النظام الدولي ولم ينج من جريمته إلا بحصانة من هذا النظام، كما أنه استمر في ارتكاب مجازره برعاية هذا النظام الدولي الذي لم يكن إلا حصنا من حصون المستبدين.

حتى صباح 22 أغسطس 2013 كانت جريمة الكيمياوي في الغوطة وما سبقها من مجازر وجرائم، مسؤولية العصابة الأسدية حصرا، ومنذ مساء ذلك اليوم باتت هذه المجازر وما لحقها من فظاعات وحتى انتهاء الحرب السورية، مسؤولية حكومات العالم والدول الكبرى خاصة، ومنظماته الدولية كافة. فهؤلاء شركاء الأسد في ذبح الشعب السوري، وهم مثله تماما أعداء للشعب السوري ولكل شعب. فهم من أعطى نظام الأسد وحلفاءه ترخيصا باستخدام كل ما امتلكوا من عتاد، وما يزودون به منه في سحق هذا الشعب وتشريده.

يراد للشعب السوري أن يتناسى مجزرة الكيمياوي في الغوطة، كما يراد له أن يتناسى قضية الثورة وجوهر الصراع. يريدون لنا أن نتلهى بلقاءات الرؤساء هنا وباجتماعات الغرف السوداء هناك، وبما يدور تحت الطاولة بين هذه الدولة وتلك، وبالاستدارة التركية هنا وبالتنسيق الروسي الأميركي هناك. يريدون لنا انتظار الحل السياسي القادم حتما في ظل القاذفات الإستراتيجية الروسية القادمة من همدان إلى إدلب وحلب، واستمرار تدفق المقاتلين من أفغانستان وإيران والعراق. يريدون لنا أن ننسى أن مئات الآلاف من المعتقلين يقتلون يوميا بالتعذيب في معتقلات الأسد، وأن مدنا بأكملها هجرت ومدنا بأكملها تخضع لحصار القتل جوعا وبالنابالم المحرم دوليا.

مجزرة الكيمياوي التي بدأها بشار الأسد فجر 21 أغسطس 2013 لازالت مستمرة وبرعاية وحماية دوليتين وبتشجيع من نظام عالمي لا يقل إجراما.

كاتب لبناني

9